"الحاكمية".. هوة الخلاف بين السلفيين في مصر

الأحد، أكتوبر 11، 2009

تشهد الحالة السلفية في مصر صراعا جديدا بين جميع أطيافها ومرجعياتها حول مسألة تكفير الحاكم بعد ظهور كتاب جديد لجماعة "أنصار السنة" كبرى الجماعات السلفية في مصر، وامتد هذا الصراع إلى عقر دارها لأول مرة منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي.
وترجع أسباب هذا الصراع الذي أدى إلى انقسامات حادة داخل مجلس قيادة الجماعة إلى صدور كتاب "الحاكمية والسياسة الشرعية عند علماء أنصار السنة" لمؤلفه الشيخ عادل السيد نائب رئيس الجماعة والذي جمع فيه كل ما صدر عن علماء أنصار السنة والآباء المؤسسين لها من أقوال وتصريحات وفتاوى تتعلق بمسألة تكفير الحاكم، حيث أكد مؤلف الكتاب "أن الآباء المؤسسين لجماعة أنصار السنة لم يصدر عنهم إطلاقا أي فتاوى بتكفير الحاكم وذلك ردا على ما نسبته مواقع سلفية إلى هؤلاء بقولهم بتكفير الحاكم".
وكال المؤلف اتهامات صريحة لمدرسة الإسكندرية السلفية وجماعة الإخوان المسلمين باختراقهم للمنهج العقائدي لأنصار السنة مستغلين الظرف السياسي المحلى والدولي الذي تمر به البلاد لتشويه سمعة السلفية الحقيقية من خلال تداخل السياسي بالعقائدي بين المنتمين لجماعة أنصار السنة.
الخلاف داخل أنصار السنة
صدر كتاب "الحاكمية والسياسة الشرعية" منذ عدة أشهر وتحديدا إبان معرض القاهرة الدولي للكتاب العام الحالي، وقد جاء الكتاب بمقدمة للشيخ فتحي عثمان مدير إدارة التراث بجماعة "أنصار السنة"، وقد شهدت الأيام الماضية احتدام الجدل داخل مجلس إدارة الجماعة حول الكتاب؛ فقد صدر بيان عن أنصار السنة تبرأت خلاله من الكتاب رغم أن غلافه يحمل شعار الجماعة واسمها وهو ما دعا الشيخ عادل السيد مؤلف الكتاب إلى التقدم بطلب إلى الشيخ عبد الله شاكر الرئيس العام للجماعة يستفسر فيه عما تردد على لسان جمال سعد حاتم وهو المشرف على مجلة "التوحيد" لسان حال الجماعة من أن الكتاب لا يمثل أنصار السنة وهو الأمر الذي أثار الأزمة وكشف ما بداخل الجماعة من صراعات وانقسامات، بما يهدد تجانس هذه الجماعة وبقاءها، إلا أن الشيخ عبد الله شاكر رفض التعليق على ما قاله عادل السيد ولم يبد رأيه حتى هذه اللحظة في الكتاب.
التكفير مصدر الأزمة
مصدر الأزمة والسجال الذي خلفه الكتاب يرتبط بما احتواه من مواقف وآراء للشيوخ محمد حامد الفقي وعبد الرزاق عفيفي من أنهم لم يفتوا إطلاقا بتكفير الحاكم، ما أحدث ارتباكا شديدا بين أنصار السلفية السياسية داخل الجماعة بحسب رأي مؤلف الكتاب.
ورغم أن الكتاب لم يناقش في محتواه مسألة تكفير الحاكم في الإطار التعييني وقام بالتركيز على المسألة عقائديا كتعبير خالص عن مدرسة "أنصار السنة" في مواجهة السلفية الجهادية والتي اعتبرها الكاتب اخترقت الجماعة؛ فإن البعض داخل مجلس إدارة الجماعة رأى أن الكتاب لم يكن لصدوره مبرر على اعتبار أن محتواه سيهز صورة "أنصار السنة" في أعين شباب الجماعة وربما يتصور البعض منهم أن الجماعة تنافق الحكام في ظل الأوضاع السياسية السائدة.
وكان جمال المراكبي الرئيس السابق لجماعة أنصار السنة قد صرح لصحيفة "المصري اليوم"، بأن كتاب "الحاكمية"، صدر دون موافقة رئيس الجماعة أو مجلس إدارتها، مدللا على ذلك بعدم وجود مقدمة بقلم رئيس الجماعة في الكتاب وقال المراكبي: "إن الكتاب لا يحمل اسم الجماعة ولم يراجعه شيوخها، وإن مؤلف الكتاب لم يسلك الطريق الرسمي لإصداره، وإنه صدر بجهد فردي من الكاتب، عن طريق تجميع مقالات شيوخ الجماعة من مجلتي (الهدي النبوي والتوحيد)".
وأضاف المراكبي أن "مسودة الكتاب عرضت عليه من جانب المؤلف أثناء توليه رئاسة الجماعة، ولم يبد رأيه تجاهه في حينها، موضحا أن الجماعة لا ترفض الكتاب ولا تؤيده، لأنه يحمل بعض الأيديولوجيات التي قد لا تناسب الوقت الحالي، ولا يصح عرضها اليوم في 30 ورقة وهي عبارة عن تهاني لملوك ورؤساء مصر، وكان من الممكن الإشارة إليها في صفحتين فقط، موضحا أن الجماعة لا يمكن أن تتبرأ من تراثها، ولكن لا داعي لخروج الكتاب.
ومن جانبه يقول الشيخ عادل السيد لـ"إسلاميون.نت" ردا على ذلك: "هناك كثير من المغالطات والتناقضات في هذا الكلام فقد عرضت مسودة الكتاب على المراكبي قبل استقالته وبعد طبعه حصل على 80 نسخة وزع منها ما شاء للأجهزة الأمنية لتبرئة الجماعة من شبهة اختراق التكفيريين وجماعة الإخوان المسلمين لها". وفي هذا الصدد يذكر أن أجهزة الأمن المصرية قد اعتقلت عددا من شباب الجماعة في محافظة الشرقية لاتهامهم بتكفير الحاكم.
ورغم أن جمال المراكبي الرئيس السابق لجماعة أنصار السنة ينفي ما تردد عن اختراق التكفيريين والسلفية الجهادية للجماعة. فإن عادل السيد مؤلف الكتاب في تصريحاته لـ"الإسلاميون" أكد أن المراكبي سبق أن قال أمام آخر جمعية عمومية لأنصار السنة إن الجمعية "اخترقها الإسلام السياسي متمثلا في الإخوان المسلمين وأصبح لهم فروع كاملة يسيطرون عليها بالإضافة إلى البؤر التكفيرية لفروع الجماعة في بعض المحافظات التي تكونت".. وأنه كان يريد في هذه الجمعية تغيير لائحة الجماعة بحيث يصبح للمركز العام سيطرة تامة على الفروع حتى لا يخترقها التكفيريون والإخوان.
هجوم مدرسة الإسكندرية
ولأن الكتاب يضرب مدرسة الإسكندرية السلفية والتي يمثلها الشيوخ ياسر برهامي وسعيد عبد العظيم في مقتل؛ فقد شنت هي الأخرى هجوما مباغتا ضد الكتاب؛ ففي حوار لياسر برهامي على موقع "صوت السلف" سئل برهامي عن الكتاب وآراء مؤسسي جماعة أنصار السنة حول تكفير الحاكم فقال ما نصه: "الذين يخالفوننا من جماعة أنصار السنة في قضية الحاكمية، هؤلاء لا يعرفون أقوال شيوخهم القدامى معرفة حقيقية كالشيخ حامد الفقي، وأحمد شاكر، وعبد الرزاق عفيفي، ولو اطلعوا عليها لوافقونا في الرأي في مسألة تكفير الحاكم إذا لم يحكم بما أنزل الله.. هم يقولون بأننا خوارج، ونحن نأخذ من شيوخ أنصار السنة ما نقول، فهل هؤلاء الشيوخ خوارج؟".
وردا على ذلك يقول الشيخ محمود نجل الشيخ عبد الرزاق عفيفي أحد مؤسسي أنصار السنة لـ"إسلاميون.نت" كان والدي يصف كل من يسب الحاكم أو يدعو إلى تكفيره بأنه خارجي أي من الخوارج فكيف ينسب إليه فتوى عن تكفير الحاكم وكذلك الشيوخ حامد الفقي وأحمد شاكر". وتابع: "والدي بايع كل حكام مصر الذين عاصرهم، بل إنه تسلم شهادتي العالمية والعليا من الملكين فاروق وفؤاد وما نسبته إليهم مدرسة الإسكندرية ليس له أي دليل وغير صحيح".
ويشير الشيخ محمود عبد الرزاق إلى أن "السلفية الجهادية التكفيرية اخترقت السلفية الحقيقية وخاصة أنصار السنة، وهى أشبه بتنظيم عالمي يحاول اختراق عقيدة أهل السنة والجماعة التي لا تقول أبدا بتكفير الحاكم".
من جانبه يرفض الشيخ أحمد يوسف، الأمين العام لجماعة أنصار السنة القول باختراق التكفيريين لأنصار السنة، مشددا على أن هذا الاختراق لم يحدث إطلاقا، وأنه "أمر شبه مستحيل"، موضحا أن أحد أهداف الجماعة الرئيسية هو محاربة الفكر التكفيري.
ويوضح الشيخ أسامة سليمان عضو مجلس إدارة "أنصار السنة" أن فكر السلفية الجهادية مخالف للفكر الصحيح للسلفية؛ لأنها تدعو إلى الخروج على أولياء الأمور بتشكيلات موازية للأنظمة الحكومية، وهذا مخالف للشرع "لأننا نعيش في مجتمع له ولي أمر يحكم البلاد، وله السمع والطاعة في غير المعصية، ولا يجوز إحداث تشكيلات تنازعه أمره في حكمه، وهذا ما تدعو إليه الدعوة السلفية الجهادية والمخالفة لفكر أنصار السنة المحمدية لسان حال السلفية في مصر".
إنقاذ ما يمكن إنقاذه
وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه يشير الشيخ عبد المعطي عبد المقصود أمين عام جماعة أنصار السنة بالإسكندرية إلى أن "أنصار السنة" تعمل في الوقت الحالي على جسر الهوة بين قيادات أنصار السنة وردم هوة الخلاف حتى تتحقق الوحدة بين جميع الاتجاهات داخلها مشيرا إلى أن الجمعية أصدرت بيانا أوضحت فيه رأيها الجامع في مسألة تكفير الحاكم رفضت فيه الأفكار التكفيرية التي يدعو إليها أنصار "مدرسة الإسكندرية السلفية" التي ليس لها علاقة إطلاقا بأنصار السنة، "ولم يتعلموا على يد شيوخ وهم يمثلون طائفة السلفي الجهادي عبد الرحمن عبد الخالق، وما يحاول هؤلاء دسه على شيوخ أنصار السنة وعلى رأسهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي من نسبة القول إليه بتكفير الحاكم بعيد كل البعد عن الحقيقة ولو كان يكفر الحاكم لما سمح بتجنيد أحد أبنائه في الجيش المصري في عهد عبد الناصر رغم أنه يحق له ذلك لأن معه الجنسية السعودية، بل إن نجله هذا استشهد في حرب أكتوبر وعليه فإن كل ما قيل عن تكفيره للحاكم غير صحيح بالمرة، والجماعة الآن بصدد توحيد جهودها الدعوية لتلافي هذه المشكلات مستقبلا".مصطفى سليمان -اسلام اون لاين نت -

000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000