الدعم الأمريكي لإسرائيل.. الجذور
سمير العركي- الاسلام اليوم -تعجبت طويلًا للكتابات التي انتشرت منذ فوز الرئيس الأمريكي الجديد أوباما في الانتخابات الأمريكية والتي كانت تأمل في سياسة جديد وعادلة من أمريكا تجاه قضية فلسطين وعدم الانحياز السافر للكيان الصهيوني، وهي الكتابات ذاتها التي أبدت دهشتها وامتعاضها لحديث أوباما –بعد ذلك– عن أمن إسرائيل، وتسويته في حديثه بين الجاني والضحية عقب مذابح غزة المروعة..
مبعث دهشتي هو من السطحية التي ما زلنا نعالج بها العلاقة العضوية التي تربط بين أمريكا والكيان الصهيوني، والتي جعلتنا نظن أن هذه العلاقة تخضع لأهواء ومزاج الرؤساء المتعاقبين على مقعد الرئاسة الأمريكي، فالعلاقة التي تربط الدولتين أعمق أثرًا، وأبعد غورًا من الشكليات التي تفسَّر بها من حيث المصلحة وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة..
إننا إذًا أردنا تفسيرًا شاملًا لهذا الارتباط فإننا نستطيع أن نجدَه في ذلكم الارتباط الثقافي اللاهوتي بين أمريكا كأمة بروتستانتية في أغلبها وبين اليهودية كمفهوم وعقيدة.. وهذا ما يتطلب منا مزيدًا من الشرح والإيضاح حتى لا تنخدع وراء تفسيرات بعيدة عن الفهم الحقيقي.
لقد نشأت الديانة المسيحية أول ما نشأت في كنف اليهودية، وما جاء المسيح عليه السلام لينقض التوراة، بل ليتممها ويكملها، وكما جاء في إنجيل متَّى على لسان المسيح عليه السلام يقول: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء.. ما جئت لأنقض بل لأكمل.
فالمسيح عليه السلام حتى ذلكم الوقت كان نبيًّا من أنبياء بني إسرائيل حتى ظهر بولس شاءول على مسرح الأحداث واستطاع أن يلعب دورًا ماكرًا خبيثًا في الانحراف بالمسيحية كعقيدة سماوية وتركزت دعوته على فكرتين أساسيتين:
1ـ ألوهية المسيح
2ـ أممية المسيحية (عدم قصرها على اليهود)، وعلى إثر ذلك دخل بولس في صراع وصدام مع اليهودية المسيحية حتى كان العام 140م حيث نهاية التمرد اليهودي وانتصار المسيحية البولسية -نسبة إلى بولس- في نهاية المطاف، وعندما انهارت دولة اليهود بدأت سلسلة طويلة من الاضطهاد المسيحي لليهود نذكر منها على سبيل المثال:
ـ طرد اليهود من بريطانيا عام 1290م وحرق التلمود في باريس في منتصف القرن الثالث عشر، ثم ما لبثوا أن طُردوا في نهاية القرن الرابع عشر.
ـ ثم طردهم من أسبانيا عام 1492م ومن البرتغال 1497م وأقيمت محاكم التفتيش لإجبارهم على الدخول في المسيحية.
ـ وفي ألمانيا وإيطاليا حوصر اليهود في (الجيتو) للحد من اتصالهم بالمسيحيين، كما منعوا من ممارسة أنشطة ووظائف كثيرة، وفي هذا الصدد يقول ويل ديورانت (قصة الحضارة المجلد 17- للفصل 16ص 128): ففي عام 1654م أُحرق عشرة رجال في كونيكا واثنا عشر في غرناطة وفي 166م قُبض على واحد وثمانين في أشبيلية، وأحرق سبعة بتهمة التمسك بالشعائر اليهودية ولكن كيف تم رد الاعتبار لليهود مرة أخرى؟ وكيف عادت اليهودية لتحمل مكانًا جديدًا في المسيحية؟
نستطيع أن نحدّد ذلك تبعًا لرضا هلال في كتابه المسيح اليهودي بحدثين؛ فكري وسياسي:
أما الفكري فقد قاده مارتن لوثر مؤسس وزعيم حركة الإصلاح البروتستانتي، فلقد كتب لوثر عام 1523 كتابه المسيح وُلد يهوديًّا، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية وأدان اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لليهود، وكان لوثر يؤمن بأن نبوءة التوراة حول إنقاذ كل إسرائيل كأمة ستحقق, وكان هدفه النهائي هو تحويل اليهود إلى البروتستانتية.
بالرغم من أن لوثر عبَّر عن كرهه لليهود بعد ذلك عندما اكتشف محاولتهم لتهويد المسيحية في كتابه المنشور عام 1544م بعنوان ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم، إلا أن إصلاحاته بشَّرت بعهد جديد من التسامح المسيحي اليهودي.
أما الحدث السياسي فهو ما أقدمت عليه بريطانيا من فتح أبوابها لليهود بعد أن كان وجودهم غير قانوني، وذلك بعد أن ساد المذهب البروتستانتي في إنجلترا عقب انفصال هنري الثامن عن كنيسة روما عام 1538م وإعلان نفسه رئيسًا أعلى لكنيسة إنجلترا ووجدت النبوءات التوراتية طريقها على الحياة الثقافية في إنجلترا بعد ترجمة التوراة إلى الإنجليزية، ووصل إلى ذروته في عهد التوراة البيوريتانية (ثورة المتطهرين) في انجلترا في القرن السابع عشر، وترتب على ذلك إطلاق حركة مسيحية صهيونية تعتمد على نبوءات العهد القديم القاضية بعودة اليهود إلى فلسطين، بل وانتشرت العقيدة المليكية (أي الألفية والتي تؤمن بمجيء المسيح في الألفية الثانية).
بل إن هذه العقيدة قد وجدت طريقها إلى الأوساط الفلسفية والأدبية، وهو ما نلمح صداه في كتابات مختلفة تتحدث عن تجميع اليهود في وطن واحد، فجون لوك – واضع النظرية الليبرالية – يقول: (إن الرب قادر على جمع اليهود في كيان واحد، وجعلهم في وضع مزدهر في وطنهم).
ونيوتن – مكتشف قانون الجاذبية – يتوصل إلى (أن اليهود سيعودون إلى وطنهم.. لا أدري كيف.. سيتم ذلك، ولنترك الزمن يفسّره).
وكانط –الفيلسوف الألماني الشهير– يصف اليهود بأنهم (الفلسطينيون الذين يعيشون بيننا) وغير الكثير من أمثال دوسو، وباسكال وجون ملتون.. الخ ومع نهاية القرن الثامن عشر تحولت من ميدان اللاهوت والفلسفة والأدب إلى ميدان السياسة ومن أبرز مظاهرها:
ما فعله نابليون خلال حملته على الشام، حيث أصدر بيانًا يخاطب فيه اليهود ويدعوهم إلى القتال تحت لوائه لإعادة إنشاء مملكة القدس القديمة، ومما جاء فيه: (أيها الإسرائيليون.. أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.. إن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات.. إن جيشي الذي أرسلتني العناية الإلهية به والذي تقوده العدالة ويواكبه النصر جعل القدس مقرًّا لقيادتي...).
وقد وضع إدوارد متفورد خطة عام 1845م بخصوص سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط وتتضمن: (إيجاد أمة يهودية في فلسطين كدولة محمية تحت وصاية بريطانيا العظمى أولًا ثم توطينهم نهائيًّا كدولة مستقلة).
إن المسيحية اليهودية وخصوصًا بعد الإصلاح البروتستانتي كانت وراء الغزو العبراني للمسيحية، ومن ثم انطلاق الحركة المسيحية الصهيونية لإعادة اليهود إلى فلسطين باعتبارها الخطوة قبل الأخيرة لنهاية التاريخ الإنساني مع المجيء الثاني وبداية الألفية السعيدة، ولكن كيف تم انتقال هذا التأييد إلى العالم الجديد (أمريكا).
كيف انتقل الارتباط بين أوروبا واليهود إلى الأرض الجديدة (أمريكا)؟
في كتابه المهم (المسيح اليهودي ونهاية العالم) استطاع رضا هلال أن يصور هذا الانتقال تصويرًا بارعًا، وكيف حمل المهاجرون الأوائل العقائد التوراتية والتي شكلت الطبيعة الثقافية للمجتمع الجديد بعد ذلك.
فلقد اعتبر المهاجرون الأوائل أمريكا هي (أورشليم الجديدة)، بل أصبحت مطاردة المهاجرين البروتستانت البيوريتانيين للهنود الحمر في العالم الجديد مثل مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين، لقد كان هؤلاء المهاجرون يلهجون باللغة العبرية في صلواتهم ويطلقون على أبنائهم أسماء يهودية، وأول ما طبعوا كان كتاب (مزامير داود) عام 1640م وبالجملة لقد اصطبغت البروتستانتية البيوريتانية مع قدوم هؤلاء المهاجرين الأوائل إلى أمريكا بصبغة يهودية، وهذه المسيحية اليهودية ارتكزت على مقولتي (أرض الميعاد) و(الشعب المختار)، وهما المقولتان اللتان مثلتا أساس (استعمار أمريكا) و(استعمار فلسطين).
لقد اعتبر هؤلاء المهاجرون أن (المصير المبين) الذي قدره لهم الرب هو استعمار أمريكا (إسرائيل الجديدة)، ولا بد من جمع شتات اليهود في فلسطين (إسرائيل القديمة) باعتبار ذلك الخطوة قبل الأخيرة للمجيء الثاني للمسيح، ومع حلول القرن الثامن أصبح الاعتقاد بالبعث اليهودي في فلسطين يشكل جانبًا مهمًّا من اللاهوت البروتستانتي الأمريكي، حيث احتلت معتقدات المسيح المنتظر والعصر الألفي السعيد مكانًا بارزًا.
وشهدت نهاية هذا القرن وبداية القرن التاسع عشر انتشار هذا الاعتقاد، وظهور منظِّرين له نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ويليام بلاكستون الذي يعتبر من أبرز المسيحيين الصهيونيين الأمريكيين الذين أطلقوا حركة العودة اليهودية على فلسطين، وقد قدم بلاكستون هذا عريضة إلى الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون سنة 1891م جاء فيها: (طبقًا لتوزيع الرب أرضه على الأمم تظل فلسطين وطن اليهود وتظل ملكًا لهم غير قابل للتصرف... وكانوا مركز الحضارة والدين فلم لا تضطلع الدول الكبرى التي أعطت بلغاريا للبلغار وصربيا للصرب بإعادة فلسطين لليهود).
هكذا نجد أن فكرة إنشاء وطن قومي لليهود قد ظهرت في أمريكا قبل أن يعلن هرتزل هذه الفكرة، ثم إن الحركة الأصولية التي انتشرت في أمريكا منذ الخمسينيات وحتى الآن كانت تدعيمًا لهذا الارتباط الثقافي اللاهوتي، هذه الحركة عبرت عن نفسها فيما يعرف باليمين المسيحي والذي استطاع أن يدعم نفسه بآلاف المطبوعات ومئات الشبكات التليفزيونية والتي شكلت ما يعرف بالكنائس التليفزيونية، ومع بداية الثمانينيات أصبحت عبادة إسرائيل في مركز اهتمام قيادات الكنائس البروتستانتية الإنجيلية في أمريكا، وجعلت الشبكات الدينية التليفزيونية والإذاعية (الكنائس المرئية) من إسرائيل قضية القضايا في برامجها وفي حملاتها لجمع التبرعات لإسرائيل.
لقد واكب هذا الصعود لليمين المسيحي صعود اليمين السياسي داخل الحزب الجمهوري، والذي تحالف بدوره مع اليمين المسيحي وبدأت حركة صعود قوية لليمين المحافظ بشقَّيْه الديني والسياسي، فعقب مؤتمر ترشيحه للرئاسة عام 1980م أعلن ريجان تأييده للأجندة الأخلاقية لليمين المسيحي في خطاب وجَّهه إلى اجتماع كهنوتي، بل لقد تمكنت منظمة (الأغلبية الأخلاقية) التي كانت تمثل القلب المحرك لليمين المسيحي من حشد ثلاثة ملايين ناخب في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وبذلك أصبح هذا اليمين قوة مؤثرة في فوز ريجان.
وريجان، كما يقول جيمس مليز في مقال له بمجلة سان ديجو في أغسطس 1985م، كان ينطلق في سياساته من إيمانه بتنبؤات الكتاب المقدس، وخاصة سفر حزقيال وما جاء فيه من أن الرب سيأخذ أولاد إسرائيل إلى الأرض الموعودة، وظل ريجان متطلعًا إلى هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح، وهكذا فقد ترعرع اليمين المسيحي واشتد عوده، فقد توفرت له أجواء لاهوتية مثالية في قمة السلطة الأمريكية.
بل هذا الاعتقاد البروتستانتي الأمريكي القائم على التفسير الحرفي للنبوءات التوراتية قد تحول إلى حركة مسيحية – صهيونية سبقت الصهيونية اليهودية في الدعوة إلى قيام وطن قومي لليهود في فلسطين في بازل 1897م وتشكلت في أمريكا منظمات مسيحية صهيونية ممالئة لإسرائيل ربطت بين بقاء إسرائيل وبقاء أمريكا عظيمة، وتشكل منها ما يمكن تسميته بـ(اللوبي المسيحي الصهيوني)، نذكر منها على سبيل المثال:
-منظمة الأغلبية الأخلاقية التي أسسها القس والواعظ التليفزيوني جيري فالويل عام 1979م.
-مؤسسة جبل المعبد.. وهدفها إقامة المعبد في القدس، ويتولى إدارة شئونها مليونير أمريكي يدعى تيري رايزنهوفر ومؤسسة (مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل) و(المصرف المسيحي الأمريكي لأجل إسرائيل).. وغيرها.
-وكما تذكر الباحثة جريس هالسل فإنه توجد مائتان وخمسون منظمة مسيحية أمريكية ممالئة لإسرائيل.
-ونفس الباحثة تقول عن شدة ارتباط اليمين المسيحي بإسرائيل: (إن اليمين المسيحي كان مستعدًا بل راغبًا بكل قوة في إشعال حرب نووية من أجل إسرائيل تحقيقًا للنبوءات التوراتية).
هكذا، فكما يقول رضا هلال، لقد انطلق المشروع الأمريكي في فتح أمريكا ثم التوسع في العالم باندفاعتين:
-أولاهما: اندفاعة العقلانية التنويرية بمفاهيمها العالمية، وثانيهما الاندفاعية الدينية لتحضير العالم للمجيء الثاني للمسيح.
-لقد حولت الاندفاعية الثانية أمريكا كما يقول والتر مكدوجال من (أرض ميعاد إلى أرض صليبية)، بل إن هذا الأمر قد تزايد تزايدًا مخيفًا خاصة بعد وصول بوش وإدارته المحافظة المتشددة إلى سدة الحكم، وما انتهجوه من سياسات تابعة من إيمانهم بعقائد توارتية ونبوءات تبشر بالمجيء الثاني للمسيح المرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين وإقامة الهيكل..
فهل وعينا الأمر وهل فهمنا الدرس؟!!! حتى لا نظل نتحدث عن الانحياز السياسي الأمريكي لإسرائيل غافلين عن حقيقته وماهيته، وهي أنه ارتباط عقائدي بين أمريكا وإسرائيل، وارتباط وجود ومصير وسعي مشترك لتحقيق أهداف وغايات مشتركة.. إنه بكل بساطة ارتباط ثقافي لاهوتي.
مبعث دهشتي هو من السطحية التي ما زلنا نعالج بها العلاقة العضوية التي تربط بين أمريكا والكيان الصهيوني، والتي جعلتنا نظن أن هذه العلاقة تخضع لأهواء ومزاج الرؤساء المتعاقبين على مقعد الرئاسة الأمريكي، فالعلاقة التي تربط الدولتين أعمق أثرًا، وأبعد غورًا من الشكليات التي تفسَّر بها من حيث المصلحة وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة..
إننا إذًا أردنا تفسيرًا شاملًا لهذا الارتباط فإننا نستطيع أن نجدَه في ذلكم الارتباط الثقافي اللاهوتي بين أمريكا كأمة بروتستانتية في أغلبها وبين اليهودية كمفهوم وعقيدة.. وهذا ما يتطلب منا مزيدًا من الشرح والإيضاح حتى لا تنخدع وراء تفسيرات بعيدة عن الفهم الحقيقي.
لقد نشأت الديانة المسيحية أول ما نشأت في كنف اليهودية، وما جاء المسيح عليه السلام لينقض التوراة، بل ليتممها ويكملها، وكما جاء في إنجيل متَّى على لسان المسيح عليه السلام يقول: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء.. ما جئت لأنقض بل لأكمل.
فالمسيح عليه السلام حتى ذلكم الوقت كان نبيًّا من أنبياء بني إسرائيل حتى ظهر بولس شاءول على مسرح الأحداث واستطاع أن يلعب دورًا ماكرًا خبيثًا في الانحراف بالمسيحية كعقيدة سماوية وتركزت دعوته على فكرتين أساسيتين:
1ـ ألوهية المسيح
2ـ أممية المسيحية (عدم قصرها على اليهود)، وعلى إثر ذلك دخل بولس في صراع وصدام مع اليهودية المسيحية حتى كان العام 140م حيث نهاية التمرد اليهودي وانتصار المسيحية البولسية -نسبة إلى بولس- في نهاية المطاف، وعندما انهارت دولة اليهود بدأت سلسلة طويلة من الاضطهاد المسيحي لليهود نذكر منها على سبيل المثال:
ـ طرد اليهود من بريطانيا عام 1290م وحرق التلمود في باريس في منتصف القرن الثالث عشر، ثم ما لبثوا أن طُردوا في نهاية القرن الرابع عشر.
ـ ثم طردهم من أسبانيا عام 1492م ومن البرتغال 1497م وأقيمت محاكم التفتيش لإجبارهم على الدخول في المسيحية.
ـ وفي ألمانيا وإيطاليا حوصر اليهود في (الجيتو) للحد من اتصالهم بالمسيحيين، كما منعوا من ممارسة أنشطة ووظائف كثيرة، وفي هذا الصدد يقول ويل ديورانت (قصة الحضارة المجلد 17- للفصل 16ص 128): ففي عام 1654م أُحرق عشرة رجال في كونيكا واثنا عشر في غرناطة وفي 166م قُبض على واحد وثمانين في أشبيلية، وأحرق سبعة بتهمة التمسك بالشعائر اليهودية ولكن كيف تم رد الاعتبار لليهود مرة أخرى؟ وكيف عادت اليهودية لتحمل مكانًا جديدًا في المسيحية؟
نستطيع أن نحدّد ذلك تبعًا لرضا هلال في كتابه المسيح اليهودي بحدثين؛ فكري وسياسي:
أما الفكري فقد قاده مارتن لوثر مؤسس وزعيم حركة الإصلاح البروتستانتي، فلقد كتب لوثر عام 1523 كتابه المسيح وُلد يهوديًّا، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية وأدان اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لليهود، وكان لوثر يؤمن بأن نبوءة التوراة حول إنقاذ كل إسرائيل كأمة ستحقق, وكان هدفه النهائي هو تحويل اليهود إلى البروتستانتية.
بالرغم من أن لوثر عبَّر عن كرهه لليهود بعد ذلك عندما اكتشف محاولتهم لتهويد المسيحية في كتابه المنشور عام 1544م بعنوان ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم، إلا أن إصلاحاته بشَّرت بعهد جديد من التسامح المسيحي اليهودي.
أما الحدث السياسي فهو ما أقدمت عليه بريطانيا من فتح أبوابها لليهود بعد أن كان وجودهم غير قانوني، وذلك بعد أن ساد المذهب البروتستانتي في إنجلترا عقب انفصال هنري الثامن عن كنيسة روما عام 1538م وإعلان نفسه رئيسًا أعلى لكنيسة إنجلترا ووجدت النبوءات التوراتية طريقها على الحياة الثقافية في إنجلترا بعد ترجمة التوراة إلى الإنجليزية، ووصل إلى ذروته في عهد التوراة البيوريتانية (ثورة المتطهرين) في انجلترا في القرن السابع عشر، وترتب على ذلك إطلاق حركة مسيحية صهيونية تعتمد على نبوءات العهد القديم القاضية بعودة اليهود إلى فلسطين، بل وانتشرت العقيدة المليكية (أي الألفية والتي تؤمن بمجيء المسيح في الألفية الثانية).
بل إن هذه العقيدة قد وجدت طريقها إلى الأوساط الفلسفية والأدبية، وهو ما نلمح صداه في كتابات مختلفة تتحدث عن تجميع اليهود في وطن واحد، فجون لوك – واضع النظرية الليبرالية – يقول: (إن الرب قادر على جمع اليهود في كيان واحد، وجعلهم في وضع مزدهر في وطنهم).
ونيوتن – مكتشف قانون الجاذبية – يتوصل إلى (أن اليهود سيعودون إلى وطنهم.. لا أدري كيف.. سيتم ذلك، ولنترك الزمن يفسّره).
وكانط –الفيلسوف الألماني الشهير– يصف اليهود بأنهم (الفلسطينيون الذين يعيشون بيننا) وغير الكثير من أمثال دوسو، وباسكال وجون ملتون.. الخ ومع نهاية القرن الثامن عشر تحولت من ميدان اللاهوت والفلسفة والأدب إلى ميدان السياسة ومن أبرز مظاهرها:
ما فعله نابليون خلال حملته على الشام، حيث أصدر بيانًا يخاطب فيه اليهود ويدعوهم إلى القتال تحت لوائه لإعادة إنشاء مملكة القدس القديمة، ومما جاء فيه: (أيها الإسرائيليون.. أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط.. إن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات.. إن جيشي الذي أرسلتني العناية الإلهية به والذي تقوده العدالة ويواكبه النصر جعل القدس مقرًّا لقيادتي...).
وقد وضع إدوارد متفورد خطة عام 1845م بخصوص سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط وتتضمن: (إيجاد أمة يهودية في فلسطين كدولة محمية تحت وصاية بريطانيا العظمى أولًا ثم توطينهم نهائيًّا كدولة مستقلة).
إن المسيحية اليهودية وخصوصًا بعد الإصلاح البروتستانتي كانت وراء الغزو العبراني للمسيحية، ومن ثم انطلاق الحركة المسيحية الصهيونية لإعادة اليهود إلى فلسطين باعتبارها الخطوة قبل الأخيرة لنهاية التاريخ الإنساني مع المجيء الثاني وبداية الألفية السعيدة، ولكن كيف تم انتقال هذا التأييد إلى العالم الجديد (أمريكا).
كيف انتقل الارتباط بين أوروبا واليهود إلى الأرض الجديدة (أمريكا)؟
في كتابه المهم (المسيح اليهودي ونهاية العالم) استطاع رضا هلال أن يصور هذا الانتقال تصويرًا بارعًا، وكيف حمل المهاجرون الأوائل العقائد التوراتية والتي شكلت الطبيعة الثقافية للمجتمع الجديد بعد ذلك.
فلقد اعتبر المهاجرون الأوائل أمريكا هي (أورشليم الجديدة)، بل أصبحت مطاردة المهاجرين البروتستانت البيوريتانيين للهنود الحمر في العالم الجديد مثل مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين، لقد كان هؤلاء المهاجرون يلهجون باللغة العبرية في صلواتهم ويطلقون على أبنائهم أسماء يهودية، وأول ما طبعوا كان كتاب (مزامير داود) عام 1640م وبالجملة لقد اصطبغت البروتستانتية البيوريتانية مع قدوم هؤلاء المهاجرين الأوائل إلى أمريكا بصبغة يهودية، وهذه المسيحية اليهودية ارتكزت على مقولتي (أرض الميعاد) و(الشعب المختار)، وهما المقولتان اللتان مثلتا أساس (استعمار أمريكا) و(استعمار فلسطين).
لقد اعتبر هؤلاء المهاجرون أن (المصير المبين) الذي قدره لهم الرب هو استعمار أمريكا (إسرائيل الجديدة)، ولا بد من جمع شتات اليهود في فلسطين (إسرائيل القديمة) باعتبار ذلك الخطوة قبل الأخيرة للمجيء الثاني للمسيح، ومع حلول القرن الثامن أصبح الاعتقاد بالبعث اليهودي في فلسطين يشكل جانبًا مهمًّا من اللاهوت البروتستانتي الأمريكي، حيث احتلت معتقدات المسيح المنتظر والعصر الألفي السعيد مكانًا بارزًا.
وشهدت نهاية هذا القرن وبداية القرن التاسع عشر انتشار هذا الاعتقاد، وظهور منظِّرين له نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ويليام بلاكستون الذي يعتبر من أبرز المسيحيين الصهيونيين الأمريكيين الذين أطلقوا حركة العودة اليهودية على فلسطين، وقد قدم بلاكستون هذا عريضة إلى الرئيس الأمريكي بنيامين هاريسون سنة 1891م جاء فيها: (طبقًا لتوزيع الرب أرضه على الأمم تظل فلسطين وطن اليهود وتظل ملكًا لهم غير قابل للتصرف... وكانوا مركز الحضارة والدين فلم لا تضطلع الدول الكبرى التي أعطت بلغاريا للبلغار وصربيا للصرب بإعادة فلسطين لليهود).
هكذا نجد أن فكرة إنشاء وطن قومي لليهود قد ظهرت في أمريكا قبل أن يعلن هرتزل هذه الفكرة، ثم إن الحركة الأصولية التي انتشرت في أمريكا منذ الخمسينيات وحتى الآن كانت تدعيمًا لهذا الارتباط الثقافي اللاهوتي، هذه الحركة عبرت عن نفسها فيما يعرف باليمين المسيحي والذي استطاع أن يدعم نفسه بآلاف المطبوعات ومئات الشبكات التليفزيونية والتي شكلت ما يعرف بالكنائس التليفزيونية، ومع بداية الثمانينيات أصبحت عبادة إسرائيل في مركز اهتمام قيادات الكنائس البروتستانتية الإنجيلية في أمريكا، وجعلت الشبكات الدينية التليفزيونية والإذاعية (الكنائس المرئية) من إسرائيل قضية القضايا في برامجها وفي حملاتها لجمع التبرعات لإسرائيل.
لقد واكب هذا الصعود لليمين المسيحي صعود اليمين السياسي داخل الحزب الجمهوري، والذي تحالف بدوره مع اليمين المسيحي وبدأت حركة صعود قوية لليمين المحافظ بشقَّيْه الديني والسياسي، فعقب مؤتمر ترشيحه للرئاسة عام 1980م أعلن ريجان تأييده للأجندة الأخلاقية لليمين المسيحي في خطاب وجَّهه إلى اجتماع كهنوتي، بل لقد تمكنت منظمة (الأغلبية الأخلاقية) التي كانت تمثل القلب المحرك لليمين المسيحي من حشد ثلاثة ملايين ناخب في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وبذلك أصبح هذا اليمين قوة مؤثرة في فوز ريجان.
وريجان، كما يقول جيمس مليز في مقال له بمجلة سان ديجو في أغسطس 1985م، كان ينطلق في سياساته من إيمانه بتنبؤات الكتاب المقدس، وخاصة سفر حزقيال وما جاء فيه من أن الرب سيأخذ أولاد إسرائيل إلى الأرض الموعودة، وظل ريجان متطلعًا إلى هرمجدون والمجيء الثاني للمسيح، وهكذا فقد ترعرع اليمين المسيحي واشتد عوده، فقد توفرت له أجواء لاهوتية مثالية في قمة السلطة الأمريكية.
بل هذا الاعتقاد البروتستانتي الأمريكي القائم على التفسير الحرفي للنبوءات التوراتية قد تحول إلى حركة مسيحية – صهيونية سبقت الصهيونية اليهودية في الدعوة إلى قيام وطن قومي لليهود في فلسطين في بازل 1897م وتشكلت في أمريكا منظمات مسيحية صهيونية ممالئة لإسرائيل ربطت بين بقاء إسرائيل وبقاء أمريكا عظيمة، وتشكل منها ما يمكن تسميته بـ(اللوبي المسيحي الصهيوني)، نذكر منها على سبيل المثال:
-منظمة الأغلبية الأخلاقية التي أسسها القس والواعظ التليفزيوني جيري فالويل عام 1979م.
-مؤسسة جبل المعبد.. وهدفها إقامة المعبد في القدس، ويتولى إدارة شئونها مليونير أمريكي يدعى تيري رايزنهوفر ومؤسسة (مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل) و(المصرف المسيحي الأمريكي لأجل إسرائيل).. وغيرها.
-وكما تذكر الباحثة جريس هالسل فإنه توجد مائتان وخمسون منظمة مسيحية أمريكية ممالئة لإسرائيل.
-ونفس الباحثة تقول عن شدة ارتباط اليمين المسيحي بإسرائيل: (إن اليمين المسيحي كان مستعدًا بل راغبًا بكل قوة في إشعال حرب نووية من أجل إسرائيل تحقيقًا للنبوءات التوراتية).
هكذا، فكما يقول رضا هلال، لقد انطلق المشروع الأمريكي في فتح أمريكا ثم التوسع في العالم باندفاعتين:
-أولاهما: اندفاعة العقلانية التنويرية بمفاهيمها العالمية، وثانيهما الاندفاعية الدينية لتحضير العالم للمجيء الثاني للمسيح.
-لقد حولت الاندفاعية الثانية أمريكا كما يقول والتر مكدوجال من (أرض ميعاد إلى أرض صليبية)، بل إن هذا الأمر قد تزايد تزايدًا مخيفًا خاصة بعد وصول بوش وإدارته المحافظة المتشددة إلى سدة الحكم، وما انتهجوه من سياسات تابعة من إيمانهم بعقائد توارتية ونبوءات تبشر بالمجيء الثاني للمسيح المرتبط بعودة اليهود إلى فلسطين وإقامة الهيكل..
فهل وعينا الأمر وهل فهمنا الدرس؟!!! حتى لا نظل نتحدث عن الانحياز السياسي الأمريكي لإسرائيل غافلين عن حقيقته وماهيته، وهي أنه ارتباط عقائدي بين أمريكا وإسرائيل، وارتباط وجود ومصير وسعي مشترك لتحقيق أهداف وغايات مشتركة.. إنه بكل بساطة ارتباط ثقافي لاهوتي.
-------------------------------------------------------------------------------------






