سامي الخطيب : الإخوان المسلمون.. من أقبية السجون إلى أروقة القصور

الأحد، مارس 04، 2012

بقلم: سامي الخطيب: يحكي التاريخ أنَّ هولاكو حفيد جنكيز خان، خرج يوماً إلى الصحراء فرآها قاحلة لا أثر فيها للحياة، فعجب من هؤلاء الأعراب الذين استطاعوا أن يخرجوا من هذه البادية ويتغلَّبوا على ظروف العيش القاسية فيها، ليسيطروا على الدنيا شرقاً وغرباً، ثم راح يتساءل: أين هم الآن؟ هل ابتلعتهم رمال الصحراء وأصبحوا أثراً بعد عين؟ أين جنودُهم وجيوشُهم وأنا أبني امبراطورية جدّي من ضفاف نهر «جيحون» حتى مصر على أنقاض دولتهم؟ ها هي امبراطوريَّتهم التي بنوها منذ خمسمائة عام تسقط تحت ضربات جيشي، وهذه بغداد عاصمة خلافتهم تتهاوى تحت أقدامي؟ وها هي حلب وحارم وحمص والمعرَّة تنضوي إلى مملكتي، وأعيان دمشق يسجدون عند بابي يلتمسون عفوي.وبلغ اغترار الرجل بنفسه إلى الحدِّ الذي جعله يكتب رسالة إلى السلطان المظفَّر قطز ضمَّنها أقسى عبارات التهديد والوعيد، يدعوه فيها إلى الاستسلام وإلقاء السلاح، وأنَّه لا جدوى من المقاومة أمام قوَّةٍ كُتب النصرُ لها دائماً، فماذا كانت النتيجة؟كانت النتيجة عين جالوت عام 1260م، وزوال الإمبراطورية المغولية عام 1265م. واليوم يعيد التاريخ نفسه: تاريخ هولاكو المتألِّه، وتاريخ صاحب الحقِّ ومن معه من المظلومين المقهورين، وها هي ثورات الربيع العربي تعيد إلى وجه بلادنا إشراقة النور، وعزَّة العرب، وكرامة الإنسان، في الوقت الذي ظنَّ فيه الطاغية أنَّ الأمر قد استقرَّ له، وأنَّ الدنيا التي دانت له، أدانت معها الأرض والسماء والإنس والجان.إرادة الحياة وثورة الماردمن ذا الذي كان يتصوَّر أنَّ التغيير يمكن أن يحدث في العالم العربي بهذا المستوى الدراماتيكي سرعةً ونوعاً وكمَّاً، فقد انقلبت الأمور 180 درجة بين ليلة وضحاها، ليتبادل الملوك والرؤساء أماكنهم مع المفكرين والدعاة، ويترك الأباطرة قصورهم ليسكنها سجناء الرأي، ويحلَّ الحكَّام المتألِّهون محلَّ المساجين المعذَّبين المقهورين في الزنازين الضَّيقة والمعتقلات الرطبة المرعبة.نعم، لقد تحرَّك المارد وثار الشباب، وانتصر المقهورون لكراماتهم التي لم تستمرئ الذلَّ بعد عقود من الصمت المهين. لقد أزيلت الغشاوة عن الأعين، وأدرك الناس أنَّ ربَّهم اللهُ الواحدُ الأحدُ المتعالُ، وسقط الوهم والوَهَن، وخَرِس الفراعنة الذين طالما كان أحدهم يردِّد أمام قومه وعلى الملأ: «ما علمت لكم من إله غيري»، وإنْ تواضع يوماً وأراد أن يُظهِر مرونةً في تطبيق الدِّيمقراطية صاح بملء شدقيه مخاطباً الجماهير المطيعة: «أنا ربكم الأعلى».ثبات الإخوان رغم المحنسجَّل التاريخ للإخوان ثباتهم على المبدأ فلم يغيّروا أو يبدِّلوا، عانوا عذابات السجون وطغيان وقهر السنين الحاكم، كما عانوا السَّحل والسَّمل والقتل والشنق، لكنهم ثبتوا على الحقِّ لا يحيدون، وعلى المبدأ لا يبدِّلون:- حافظوا على وسطية الفكر والدعوة والمنهج وهم يواجهون أقسى حملات التطرُّف.- دَعَوا إلى سلميّة الدعوة وهم يُواجَهون بأكثر آلات العنف الفكري و الجسدي والمعيشي ضراوة.- اغتيل مرشدهم، وأصابت رصاصات الغدر ظهور قادتهم، وظلَّت دعوتهم: «نحن نرفض العنف، ونجرِّم التغيير بغير الكلمة، ونرفض استخدام السلاح إلا في مواجهة المحتل الغازي».- طُرِدوا من وظائفهم، وضَيَّق الطاغوت عليهم في أرزاقهم، وأوذوا في أبنائهم وبناتهم، وسيقوا إلى الجلاد، وعلِّقت لهم أعواد المشانق، فأصدر مرشدهم وهو في السجن كتابه: «دعاة لا قضاة».- تبنَّوا مبدأ المواطنة، وهم يوصَمون من كلِّ أبواق السلطان بالخيانة الوطنية، وتكتب عنهم أعمدة الصحف الكبرى أنَّهم طائفيون لا يعترفون بوطن ولا يقيمون وزناً لمواثيق الدول.- كتبوا في شرعية الانتخابات، وشرَّعوا الدِّيمقراطية، وأصَّلوا لفكرة تداول السلطة، والسلطة ترفض الاعتراف بهم، وتحاربهم، وتعتبر مجرد الانتماء إلى جماعتهم جريمة تستحقُّ حجز الحرية أو الفصل من العمل.- ارتضوا صناديق الاقتراع، والاحتكام إلى الانتخابات، وهم يرون «الفاخوري» يركِّب أذن جرّة القانون الانتخابي كما يهوى أصحاب القرار، وثوبُ القانون يناسب مقاس أصحاب الحظوة من أزلام السلطان، ومع ذلك شاركوا في الانتخابات، وقبلوا نتائجها، رغم التزوير الفاضح، حيث الأموات ينتخبون، والرجال يُسجنون، والشباب يُقمعون، والصناديق تُملأ بأوراق التَّأييد للحاكم في انتخابات لا هي حُرَّة ولا هي نزيهة، ورغم كل ذلك ألغيت الانتخابات الطلابية، وشُوِّهت الانتخابات المهنية، وزوِّرت الانتخابات البرلمانية، ولم يكن هناك مجال لمجرد التفكير بالانتخابات الرئاسية.نجاح الإخوانلم يُضع الإخوان الوقت، ولم يركنوا إلى اليأس، ولم يستسلموا لعامل الظرف.. لم يضعف إيمانهم بسلامة المنهج ووعد الله بالتمكين، فصبروا وصابروا، وثبتوا ومضَوا بيقين المؤمن بنصر الله، يُربُّون الشَّباب، ويُدرِّبون الرجال، ويصنعون الرموز، ويجسِّدون النماذج والقدوات. يؤصِّلون الأهداف، ويجدِّدون الوسائل، ويبدعون في ابتكار الأساليب، ويغتنمون كلِّ فرصة، ويستفيدون من كلِّ لحظة، حتى إذا حان الوقت كانوا على أهبة الاستعداد. فخرجوا من أقبية السجون ليحملهم الناس على الراحات والأكتاف إلى أروقة القصور، فهل ينجح الإخوان في امتحان الابتلاء بالنِّعم بعدما نجحوا في امتحانات البلاء بالنقم؟ وهل يثبتون أمام إغراءات المنح في أروقة القصور، بعدما ثبتوا ولم يغيِّروا أو يبدِّلوا, رغم قساوة ما مرُّوا به عبر السنين من محن في أقبية السجون؟-"الامان"