محمود ابراهيم:تدنيس وحرق القرآن الكريم من قبل الجنود الأمريكيين في قاعدة باغرام الأمريكية في أفغانستان قبل أيام، لم يكن المرة الأولى، ولم تكن هبة الأفغانيين انتصارا لدينهم وقرآنهم متأخرة أو متباطئة، بل قاموا بمهاجمة القاعدة الأمريكية التي قام جنودها بهذه الفعلة البشعة التي لا تنم سوى عن حقد جارف للإسلام، واستهانة بمقدساتهم ومعتقداتهم الدينية، واستخفافا بوزن أمة يزيد تعدادها على مليار ومئتي مليون مسلم منتشرين في كل بقاع الأرض. قبيل الغزو الأمريكي لأفغانستان، أعلن الرئيس بوش الابن أن حربه التي ينوي شنها على أفغانستان هي حرب صليبية، ولم يصدقه ربما إلا القليل من العرب والمسلمين، بل إن زعيم أكبر دولة عربية في ذلك الوقت ادعى أن كلام بوش هو زلة لسان فقط، وها هي أقواله تتحقق على أرض الواقع، إذ لو كان يعتنق المسيحية بحق هو والرئيس أوباما الذي تولى الرئاسة خلفا له، لما سمحا لقواتهما بتكرار إهانة المسلمين بتدنيس قرآنهم وإحراقه، ولأمرا بمعاقبة الفاعلين معاقبة قاسية تردعهم وتردع غيرهم من تكرار السيناريو ذاته، لأن الدين المسيحي يحترم عقيدة المسلمين، كما يحترم كتابهم المقدس، وها هم المسيحيون يعيشون بين ظهراني المسلمين الذين يكنون لهم كل احترام، ولم يقم أي منهم بحرق الإنجيل لأنهم يعترفون بالديانة المسيحية ويحترمون معتنقيها وقد ذكر القرآن الكريم أن النصارى هم أقرب أصحاب الديانات إلى الإسلام ، حيث قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة : (82)"لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ" فالاسلام لا يجبر أحدا على اعتناق الإسلام إذ لا إكراه في الدين، وفي أثناء الفتوحات الإسلامية لم يكره الناس على اعتناق الإسلام، وترك لهم حرية المعتقد. المسلمون الأفغان ينتصرون لدينهم وقرآنهم في كل مرة، ويضحون بأنفسهم في سبيل ذلك، وها هم يقعون قتلى وجرحى من أجل الدفاع عن قرآنهم، ويهب معهم أيضا المسلمون الباكستانيون، أما في البلاد العربية التي هي مهد الديانات، والتي أنزل الله فيها القرآن على نبيه فلم نسمع أن مسلميها نزلوا إلى الشوارع متظاهرين مستنكرين احتجاجا على ما قامت به القوات الأمريكية من تدنيس للقرآن وإحراقه. حرق وتدنيس القرآن يتزامن مع قيام المتطرفين الصهاينة بتدنيس قبلة المسلمين الأولى، وثالث الحرمين الشريفين، فيتصدى الفلسطينيون لقوات الاحتلال التي تحميهم ، ويبذلون دماءهم وأرواحهم رخيصة في سبيل الذود عن مقدساتهم، ولم نر تظاهرة تنطلق في أي بلد عربي أو مسلم نصرة لإخوانهم الفلسطينيين واستنكارا لما يقوم به المتطرفون الإسرائيليون من تدنيس للأقصى، بل ومحاولة هدمه متذرعين بوجود هيكل سليمان تحته رغم علمهم بعدم صحة ذلك، ورغم الحفريات التي تقوم بها إسرائيل في محيطه التي تتم على مرآى ومسمع كل العرب والمسلمين، إلا أننا لم نسمع احتجاجا يذكر، أو تهديدا فاعلا مطالبا إسرائيل بالكف عن محاولاتها التي بدأتها منذ احتلال كامل القدس، عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين، وكأن القدس لا تعنيهم بشيء، أو أنهم تنازلوا عليها للكيان الصهيوني مقابل تعاونه أمنيا واقتصاديا معهم للتخلص من بعض الأنظمة العربية، خاصة تلك التي لقنت مساعداتها للمقاومة الاسلامية درسا قاسيا للعدو الصهيوني. صدور بعض الاحتجاجات الخجولة من هنا وهناك ليست سوى ذر للرماد في العيون، ولو لم تكن كذلك لما استقبل مسؤولوها المسؤولين الإسرائيليين في عواصمهم، ولما استضافوهم على أعلى المستويات، بينما يمتنعون عن استقبال كثير من المسؤولين الفلسطينيين، بل حتى لا يسمحون لهم بالمرور من دولهم أو البقاء فيها ساعات معدودة للاطمئنان على أهلهم وذويهم. نسأل الله أن لا تتأخر صحوة العرب والمسلمين، وأن ثزول الغشاوة عن أعينهم وأن يتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، وأن ينفقوا ملياراتهم على شعوبهم وإعمار أوطانهم وأوطان المسلمين التي تسببوا في تدميرها وضعفها وخرابها."الأنباط"





