تركيا وإيران.. صراع الأفيال بالشرق الأوسط *

الثلاثاء، نوفمبر 24، 2009



تركيا وإيران.. صراع الأفيال بالشرق الأوسط *

الصراع على النفوذ بالشرق الأوسط والرغبة في التمدد الإقليمي يبدو قدراً مستمراً للعلاقات الإيرانية ـ التركية، على الرغم من بعض الفترات التاريخية التي شهدت العلاقات فيها تقارباً بين البلدين، ولكن دون أن يرقى هذا التقارب أبداً إلى مستوى التحالف الثنائي بين البلدين الجارين.
فاضت المعاني الكامنة في زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى إيران الأسبوع الماضي على الحدود السياسية للبلدين الكبيرين حتى وصلت إلى قلب التوازن الإقليمي في المنطقة، ومرد ذلك أن كلا من إيران وتركيا يملك، بالإضافة إلى علاقات الجوار التاريخي، من المؤهلات والطموح والحضور في المنطقة ما يثبته قوة إقليمية معترفا بها.
استبق رئيس الوزراء التركي أردوغان زيارته إلى طهران بتأييد "الملف النووي الإيراني السلمي"، بالتوازي مع رفض تركي لمشاركة الطيران الإسرائيلي في مناورات "نسر الأناضول" احتجاجاً على اضطهاد دولة الاحتلال الصهيوني للفلسطينيين.
استعجل بعض المحللين تفسير الخطوات التركية واعتبروها علامة على "تحالف جديد بين أنقرة وطهران" في مواجهة إسرائيل والغرب، وهو تحليل مبسط يعكس تفكير بالأمنيات ولا يلحظ المعاني العميقة للتنافس التاريخي القائم بين تركيا وإيران على لعب دور القوة الإقليمية الأعظم في المنطقة، ولا حتى التصادم الواضح في المنظومة القيمية للنظامين السياسيين التركي والإيراني.
أما البعض الآخر من المحللين فقد اعتبر أن "هوية تركيا السنية" تمنعها بالضرورة من التعاون مع "إيران الشيعية"، وبالتالي فالزيارة تحمل طابعاً تجارياً ولا تتعداه، وهو أمر يجافى الصواب والمنطق لأنه يفترض احتكار البعد الطائفي لعملية رسم السياسة الإقليمية للدول، حتى مع التسليم بأهميته التاريخية والثقافية في العلاقات الإيرانية ـ التركية.
يحاول هذا المقال أن يقلب النظر في الأبعاد التاريخية والإقليمية لزيارة أردوغان عبر استعراض المحطات التاريخية في العلاقات بين إيران وتركيا، ومحددات التنافس والتعاون فيما بينهما، ويخلص إلى نتيجة وجود بعد صراعي وآخر تعاوني في علاقات البلدين الجارين، مع غلبة واضحة للبعد الصراعي في هذه العلاقات.
مزيج من التنافس والصراع
كانت العلاقات الإيرانية- التركية منذ قرون، ومازالت، علامة أساسية على خرائط الشرق الأوسط وبحيث أنتج التجاور الجغرافي والتنافس التاريخي فضاء وهامشا للتنافس والتعاون في آن، ولذلك تتنافس أنقرة مع طهران، مثلما تتعاون، لكن ضمن شروط موضوعية وقواعد لعب محددة، وبحيث تمتزج أدوات التنافس مع محفزات التقارب لتنتج خليطاً فريداً من نوعه في العلاقات الدولية والإقليمية. تحيط جغرافيا إيران وتركيا بالجغرافيا العربية من الشرق والشمال، فيتداخلان معها بوشائج التاريخ وروابط الحضارة المشتركة، على نحو قلما توافر في مناطق جغرافية أخري.
وتكتسب العلاقات بين إيران وتركيا أهمية مضاعفة بسبب أن إيران وتركيا ليستا دولتان اعتياديتان في الجوار الجغرافي للدول العربية، بل قوتان إقليميتان في الشرق الأوسط، يتجاوز حضورهما الإقليمي الحدود السياسية لكليهما. تأسيساً على ذلك تتجاوز العلاقات الإيرانية ـ التركية في أبعادها السياسية والإستراتيجية معاني أية علاقات ثنائية بين بلدين غير عربيين، إذ أن طبيعتها الخاصة تجعلها تؤثر مباشرة على واقع منطقة الشرق الأوسط.
تتقاطع المصالح الإيرانية ـ التركية في مسائل متنوعة منها تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر الأراضي التركية وهى قضية ذات معان إستراتيجية عميقة وتتجاوز مجرد تصدير سلعة من بلد إلى آخر، لأن "خط نابوكو" الذي ينقل نفط وغاز عبر بحر قزوين عبر الأراضي التركية إلى أوروبا سيعزز وضعية الأخيرة أكثر فأكثر على خرائط السياسة الدولية.
ويشترك البلدان في العمل على تحجيم الطموحات الكردية التي فارت مع احتلال العراق عام 2003، ويتفقان أيضاً على لجم العربدة الإسرائيلية في المنطقة على خلفية المصالح الوطنية لطهران وأنقرة قبل أية اعتبارات أخري.
على هذه الخلفية يمكن تفسير إعلان أردوغان والرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن "إيران وتركيا تستطيعان سد الفراغ القائم في المنطقة"، لأن الأرضية الموضوعية لحقيقة "الفراغ" الناشئ في المنطقة تقوم على عمودين أساسيين هما أولاً الفراغ العربي الكبير في المنطقة، وثانياً نزعة الهيمنة الإقليمية الموجودة في بذرة الدولة الصهيونية. ولئن أمكن ـ نظرياً ـ اعتبار إيران وتركيا عمقاً حضارياً وجغرافياً للدول العربية، إلا أن هذا الاعتبار لا يجد ترجمته أوتوماتيكياً على أرض الواقع، إلا من خلال سياسات عربية فاعلة تستخرج من طاقات إيران وتركيا ما يفيد المصالح العربية وتحيد ما قد يطرأ من تناقض في المصالح بينها وبين أي من إيران أو تركيا.
ولكن في حالات الغياب العربي عن الحضور والفعل، يكون طبيعياً أن تتمدد الأدوار الإقليمية لكل من طهران وأنقرة لملء الفراغات العربية أولاً. أما ثانياً والمترتبة على أولاً يبدو معلوماً أن "سد الفراغ" لن يتأتى إلا من طريق الاصطدام ـ في حدود ـ بدولة الاحتلال الصهيوني على خلفية محاولتها المستمرة للعب دور القوة الإقليمية الأعظم في المنطقة.
بمعنى آخر تحتم المصالح الوطنية لكل من إيران وتركيا الساعيتين إلى لعب دور إقليمي اصطداماً معلوماً مع تل أبيب التواقة إلى الهيمنة الإقليمية، ولكن درجة هذا الاصطدام تتحدد وفق موازين حساسة.
تقول وقائع التاريخ أن الحدود الإيرانية ـ التركية مازالت قائمة بدون تعديل أو مشاكل حدودية منذ "معاهدة زهاب" التي وقعتها إيران والسلطنة العثمانية عام 1639، أي قبل حوالي أربعة قرون، وهو ما يعنى وجود حد أدنى من علاقات حسن الجوار بين أنقرة وطهران يسقفها سقف معقول من المصالح المتبادلة في المنطقة سواء بخصوص العراق أو سورية أو درجة الاصطدام بتل أبيب.
وبالإضافة إلى كل ذلك لا مصلحة حقيقية لتركيا في امتلاك إيران لقدرات نووية عسكرية لأن التنافس الإقليمي بينهما سيحسم لصالح طهران ساعتها، مثلما لا مصلحة لدى أنقرة في توجيه ضربة عسكرية إلى إيران بسبب مصالحها فيها ومنها، ولذلك يجرى رسم تركيا لسياستها الشرق أوسطية وبضمنها علاقاتها مع إيران وفق موازين دقيقة وعلى خلفية تحالفات أوسع.
وإذ تتصارع مجموعة من عوامل التنافس مع محفزات التقارب بين تركيا وإيران، فإن التناقض في الأفكار المؤسسة لأدوار كل من النظامين السياسيين تبدو في مقدم عوامل التنافس التي تجعل الفجوة بين النظامين السياسيين عصية على التجسير، ويأتي بعد ذلك عامل التنافس التاريخي للبلدين على النفوذ في المنطقة، وليس آخراً المواقع المتناقضة في التحالفات الدولية.
تشترك كل من طهران وأنقرة في حقيقة أنهما يمتلكان موقعاً جيو-استراتيجياً مهماً في المنطقة، ولكنهما أيضاً تعانيان معاً من عدم وجود إطار مؤسسي يجمعهما مع الدول العربية في منظومة إقليمية وأمنية مشتركة، وإن كانت تركيا تستعيض عن ذلك بالانخراط في حلف الناتو والتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن. أما إيران فلم تتمكن من الانخراط في أية منظومة إقليمية أو دولية، وعلاقاتها الدولية مع روسيا والصين لا ترقى إلى مستوى علاقات تركيا بالغرب، ناهيك عن وضوح التفوق الأمريكي حتى الآن على نظيريه الروسي والصيني في حلبة السياسة الدولية.
تتنافس تركيا موضوعياً مع المشروع الإيراني في المنطقة بالرغم من كل عناصر ومحفزات التعاون، ويبدو واضحاً أن هناك فروقاً ظاهرة في النموذج والأدوات بين المشروعين، حيث ترفع إيران راية "الممانعة" ضد الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الصهيوني وتتحالف مع أحزاب وحركات سياسية تناوئ واشنطن والنظم السياسية القائمة، في حين ترفع تركيا لواء "التحديث والانفتاح" على خلفية نجاحات اقتصادية وديمقراطية، بالتحالف مع واشنطن والانفتاح على دول المنطقة بمعناها القانوني والمؤسساتي. وإذ راجت أنباء عن قيام تركيا بوساطة بين واشنطن وطهران، فقد عاد الطرفان لينفيا ذلك لاحقاً، وجاء ذلك بعدما رفضت إيران سابقاً عرضاً تركياً باستضافة المحادثات بين الغرب وإيران حول الملف النووي، حيث فضلت طهران الذهاب إلى جنيف وفيينا على أن تحط رحالها في تركيا.
ويعود السبب في الرفض الإيراني إلى عاملين أساسيين: أولاً وعى إيران بحدة التنافس مع تركيا وأنها لا تريد إعطاء الأخيرة نقاطاً دبلوماسية، وثانياً لأن الذهاب إلى جنيف، التي استضافت سابقاً مفاوضات دولية فائقة الأهمية مثل المفاوضات السوفيتية ـ الأمريكية، يحسن صورة إيران في العالم ويضعها في صورة القوة الإقليمية العظمي. أما الموافقة على الاستضافة التركية والوساطة التركية فستعنى ـ من المنظور الإيراني ـ تثبيتاً لدور تركيا الجديد باعتبارها "المرجعية الإقليمية" في الشرق الأوسط، وهو ما لا تريده طهران بالطبع.
محطات تاريخية
تتأكد فرضية التنافس الغالبة على العلاقات بين إيران وتركيا باستعراض محطات أساسية في العلاقات الثنائية، حيث شهدت العلاقات الإيرانية ـ التركية فترات مد وجزر تعاقبت في اتصال لم ينقطع منذ مئات السنين، وكأن معطيات الجغرافيا قد أبت إلا أن تكون ناظماً لوتائر من الشد والجذب استمرت منذ ما يزيد على خمسمائة عام. ومثلما كانت الجغرافيا حاضرة في مسار تطور هذه العلاقات، فقد كان التاريخ شاهداً على الصراع بين المشروعين الصفوي الإيراني من جهة، والعثماني التركي من جهة أخري، إذ مثل الشاه عباس الصفوي ذروة المشروع الأول والسلطان مراد الثالث قمة المشروع الثاني.
ولتجذير التناقض بين المشروعين ولتثبيت هوية معادية للسلطنة العثمانية، فقد عمد السلطان إسماعيل الصفوي إلى إعلان تشيع إيران في بدايات القرن السادس عشر الميلادي، وهى السنية في أغلبها وقتذاك، وذلك لتدعيم قدراتها الصراعية مع تركيا بالروافد المذهبية. ولم يكتف الصفويون بتغيير المذهب فقط، بل ذهب خيالهم إلى أبعد من ذلك بكثير حتى وصل إلى رمزية العلم الإيراني وتصميمه المميز عبر تبنى "الشمس" و"الأسد" رمزاً لإيران وعلمها.
صحيح أنه منذ عصر ظهور قبيلتى "بارس" و"ماد" الإيرانيتين فقد اتخذتا "الشمس" و"الأسد" علماً لهما ولم يكن اختراعاً صفوياً، فالرمزان يتناغمان مع عقائد المنجمين الإيرانيين؛ حيث الشمس وفقا لمعتقدات الإيرانيين القدماء هي حلقة الاتصال بين الإله والكائنات، مثلما يعد الأسد علامة لانتصار الحياة على الموت وانتصار فصل الربيع على فصل الشتاء، كما نرى ملوك الأساطير الإيرانية في "الشاهنامه" ـ ملحمة فردوسي الأشهر ـ قد صمموا أعلامهم بالشمس والأسد الذي يمسك بيده سيفاً.
ولكن عندما جاء الشاه عباس الكبير الصفوي إلى حكم إيران فقد أعاد الاعتبار إلى العلم الإيراني القديم والذي توارى منذ الفتح الإسلامي، فاختار "الشمس" و"الأسد" مرة أخرى رمزاً لإيران بعد غياب طويل. وكان اختيار الشاه الصفوي المسلم الشيعي "للشمس الوثنية" رمزاً للعلم الفارسي راجعاً إلى هدف سياسي عميق، مفاده تطعيم التصادم الإقليمي والمذهبي بالبعد الرمزي أيضاً، فالشمس الصفوية كانت نقيضاً رمزياً وبصرياً للقمر الذي زين علم الدولة العلية العثمانية.
اتخذت العلاقات بين البلدين أشكالاً دراماتيكية حين قامت الحروب المتعاقبة بين الدولتين في القرون اللاحقة، وأبرمت المعاهدات لتثبيت حدود البلدين واعتراف كل منهما بالآخر حامياً لأحد المذاهب الإسلامية (إيران للشيعة والسلطنة العثمانية للسنة)، وهو الأمر الذي تم تثبيته في معاهدات كثيرة بين البلدين. ومن وقت هذه المعاهدات وحتى اليوم أصبح هناك بعد عقائدي للصراع على النفوذ في المنطقة بين الدولة الإيرانية الشيعية والدولة العثمانية السنية، ثم عاد البعد العقائدي ليطل برأسه من جديد منذ احتلال العراق عام 2003. وفى هذا السياق التاريخي لا يفوت أن "المسألة الكردية" ظهرت على أثر خسارة إيران للأناضول في معركة تشالديران أمام الدولة العلية العثمانية عام 1514، لأن الأكراد أصبحوا من يومها مشتتين على دول المنطقة بعد أن كانوا منضوين جغرافياً بالكامل تحت عباءة الدولة الإيرانية.
تقارب لا تحالف
يبدو الصراع على النفوذ بالشرق الأوسط والرغبة في التمدد الإقليمي قدراً مستمراً للعلاقات الإيرانية ـ التركية، على الرغم من بعض الفترات التاريخية التي شهدت العلاقات فيها تقارباً بين البلدين، ولكن دون أن يرقى هذا التقارب أبداً إلى مستوى التحالف الثنائي بين البلدين الجارين. ومثال ذلك التقارب العلاقات الدافئة التي ربطت بين شاه إيران الأسبق رضا شاه ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات، إذ مثلت الجمهورية التركية وقتها "النموذج العصري" أمام إيران الراغبة في التحديث تحت حكم رضا شاه.
وبوتائر مختلفة استمرت العلاقات دافئة من وقت الشاه السابق محمد رضا وحتى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، وإن ميزها انضواء البلدين تحت مظلة التحالفات الأمريكية ومواجهة الاتحاد السوفيتي السابق. وكان ظهور الأحلاف العسكرية في الخمسينات من القرن الماضي مؤشراً جديداً على تقارب إيران وتركيا تحت السقف الدولي الذي بنيت تحته سياساتهما الإقليمية، وبالمقابل من الأحلاف العسكرية ظهرت وقتذاك فكرة عدم الانحياز بقيادة ثلاثية ضمت الجمهورية العربية المتحدة والهند ويوغوسلافيا؛ مما أدى إلى ترسيخ صورة جديدة للمنطقة يقوم الفرز الإقليمي فيها على أساس التحالفات الدولية.
وهكذا وبعد ظهور الدولة الوطنية في البلاد العربية وقيام الجمهورية التركية ومحاولات تحديث إيران تحت الحكم الملكي، بدا الفرز واضحاً في المنطقة بين تحالف قادته الولايات المتحدة الأمريكية انضوت فيه كل من إيران وتركيا وشطر من الدول العربية، وآخر تحالف مع الاتحاد السوفيتي السابق وضم الشطر الآخر من الدول العربية. ساعتها تم تدشين شرق أوسط جديد بأبعاد وتوازنات مختلفة جذرياً عما ساد قبل سايكس ـ بيكو وما بعدها، إذ أن ثنائية النظام الدولي انعكست استقطاباً ثنائياً إقليمياً في المنطقة، ولكن هذا الاستقطاب الثنائي في الواجهة لم يستطع أن يحجب ظهور ثلاثة أطراف إقليمية أساسية على خلفيته وهي: لعرب والأتراك والإيرانيون.
تغيرت الأوزان النسبية في منطقة الشرق الأوسط بعد هزيمة العرب عام 1967 وانكسار المشروع العروبي في الإقليم، ولكن النظام الدولي ثنائي القطبية، وارتباط كل من إيران وتركيا بالمعسكر الغربي، ومصر وسوريا بالمعسكر الشرقي وقتذاك حال دون بروز الفراغ النسبي المتولد عن الهزيمة العربية تلك. ثم عادت الأوزان لتتغير من جديد بعد خروج مصر من الصراع العربي ـ الإسرائيلي وإبرام الرئيس الراحل أنور السادات لصلحه المنفرد مع دولة الاحتلال الصهيوني في نفس العام الذي انتصرت فيه الثورة الإيرانية في العام 1979.
ساعتها تصادم النظام الإيراني الجديد مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن دون أن ينضوي في المعسكر الشرقي طبعاً، وتأسيساً على ذلك التصادم فقد عادت العلاقات الإيرانية ـ التركية إلى سابق عهدها من فتور وتصارع، في ظل عدم بروز "الفراغ السياسي" في المنطقة أيضاً بسبب النظام الدولي ثنائي القطبية ذاته. ثم جاء الانقلاب العسكري في تركيا بكنعان إفرين رئيساً للجمهورية التركية عام 1980 ليزيد من حدة الاستقطاب في العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين إيران وتركيا.
وشهدت العلاقات الثنائية في عقد الثمانينات فترة من الانتعاش النسبي أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، بسبب اضطرار إيران إلى تمرير صادراتها ووارداتها عبر حدودها مع تركيا، والتي تمتد من شمال غربي إيران وجنوب شرقي تركيا بطول 499 كيلومتراً. ولكن بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي السابق بالترافق مع بزوغ الدول الآسيوية المستقلة عنه في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين، فقد ظهر صراع إقليمي جديد بين إيران وتركيا على مناطق النفوذ هناك.
ومرد ذلك أن هذه المنطقة الجغرافية الممتدة من كازاخستان شرقاً وأذربيجان غرباً والتي تشكل الامتداد الجغرافي والثقافي لكلا البلدين، ترقد على ثروات نفطية وغازية هائلة، يعتقد أنها سوف تؤثر في معادلات التوازن بسوق الطاقة العالمية، وما يعنيه ذلك من توزيع جديد لأوراق اللعب الإستراتيجية إقليمياً وعالمياً.
عرفت العلاقات الثنائية بين البلدين فترة من التفاهم الاقتصادي في عصر الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال، ثم أعقبتها فترة من الازدهار النسبي خلال عام 1995 ـ 1996 الذي ترأس فيه نجم الدين أربكان و"حزب الرفاه" الحكومة التركية.
وفى ذلك العام وقع البلدان اتفاقية لتصدير الغاز الإيراني إلى تركيا بقيمة 23 مليار دولار، وهى الصفقة الأضخم في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين الجارين، يمتد بمقتضاها خط أنابيب نقل الغاز من مدينة تبريز الإيرانية وحتى مدينة أرضروم لمد تركيا بالغاز لمدة ثلاثين سنة.
وبالرغم من هذا "التقارب النسبي" في العلاقات الإيرانية ـ التركية إلا أن هذه العلاقات لم تتطور بعد الإطاحة بنجم الدين أربكان من رئاسة الوزراء في تركيا بسبب التصادم في منظومة القيم لكل من النظام السياسي في إيران وتركيا، وكذلك حدود الأدوار الإقليمية المتاحة لكل منهما. وجاء التحالف الإستراتيجي بين تركيا وإسرائيل في النصف الثاني من التسعينات متناغما إلى حد كبير ومصالح الدولة التركية كما حددتها المؤسسة العسكرية التي حركت وحدها تقريباً خيوط السياسة وقتذاك، بحيث بدا هذا التحالف بمثابة توزيع جديد للأثقال النسبية في الشرق الأوسط لغير مصلحة إيران.
احتلال العراق وتبدل ميزان القوى الإقليمي
دخلت العلاقات الإيرانية ـ التركية مفترقاً حاسماً بعد احتلال العراق عام 2003، إذ ساهم هذا الاحتلال في تبدل موازين القوى الإقليمية لصالح إيران وبشكل جعل المصالح التركية عرضة للخطر من جراء طفور الطموحات القومية الكردية ومخاطر امتدادها إلى جنوب شرق الأناضول وغالبيته السكانية الكردية. كما أدى احتلال العراق إلى إعادة توزيع لموازين القوى الإقليمية عموماً وبين إيران وتركيا خصوصاً، إذ أن انهيار النظام العراقي السابق وهيمنة حلفاء إيران من الأحزاب السياسية الشيعية على الحكومة والبرلمان العراقيين، وكذلك طفور دور الأكراد في شمال العراق والسلطة المركزية ببغداد، أدت كلها إلى تزايد النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين بالترافق مع نشوء تهديدات جديدة للأمن القومي التركي.
وبالرغم من ذلك فقد أدى احتلال العراق إلى نتيجة واضحة في التنافس الإيراني التركي مفادها أن الطرفين الأمريكي والإيراني صارا الأقوى على الساحة العراقية، فالأول يحتل العراق عسكرياً والثاني يحكم ويتحكم من طريق الحلفاء في مقدرات السلطة ببغداد. كلاهما لا يستطيع إزاحة الآخر، طهران لا تملك الأدوات العسكرية لذلك، أما واشنطن، وإن سيطرت عسكرياً، فإنها تعانى مأزقاً مستحكماًً إذ لا يمكنها إزاحة حلفاء إيران من المشهد السياسي. ولم يكتف حلفاء إيران بتصدر واجهة المشهد السياسي في ظل الاحتلال، بل تحولت ميليشياتهم العسكرية إلى نواة للتشكيلات النظامية العراقية في وزارتي الداخلية والدفاع.
غابت القوى الإقليمية عن المشهد، فالدول العربية الرئيسية ودول جوار العراق لم تنجح في الوصول لتصور مشترك حول العراق بسبب الضغوط الأمريكية المتوالية عليها، والتي همشت مصالحها الإقليمية المشروعة في بلاد الرافدين. وبالتوازي مع ذلك لعب الأكراد دور العازل الجغرافي لتمدد تركيا الإقليمي في العراق، بانتشارهم على كامل الحدود العراقية ـ التركية المشتركة وبغطاء أمريكي سياسي وعسكري.
كان الدور الإقليمي، وما زال، هاجساً يسكن قلوب حكام إيران منذ تأسيس دولتها الحديثة، ومحاولة مد نفوذ إيران إلى العراق مثل دوماً ترمومتراً لقياس قدراتها الإقليمية.
مددت تركيا في السنة الأخيرة علاقاتها إلى الأحزاب الشيعية العراقية ليس بهدف سحبهم من إيران، ولكن مقاسمة تركيا للأخيرة في نفوذها عليهم. وإذا أضفنا إلى هذه الصورة التحالف الكبير الذي ينمو بمرور الوقت بين أنقرة ودمشق، لعلمنا أن المنافس الإقليمي الأساسي لطهران على النفوذ في المنطقة هو تركيا.
نجاحات تركيا بالسنوات القليلة الماضية، وفى السنة الأخيرة بالتحديد، في العودة إلى توازنات المنطقة ومزاحمة النفوذ الإيراني فيها تشي بأنها تسابق الزمن لبناء شبكة من التحالفات تضاهى من حيث الأهمية تلك الشبكة الكبيرة من التحالفات التي بنتها إيران على مدار الثلاثين سنة الأخيرة. وبالرغم من التنافس الضاري على التحالفات والأدوار الإقليمية، فلم يمنع ذلك رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من زيارة طهران ولقاء رئيس الجمهورية والمرشد الأعلى، لأن قواعد اللعب الجديدة في المنطقة لم تعد المواجهات العسكرية، مثلما كان الحال عليه بين الصفويين والعثمانيين، بل سحب الحلفاء والتأثير على خيارات الخصوم وبناء شبكات مصالح مع الأطراف المختلفة عبر قراءة دقيقة وموضوعية للتناقضات في مصالح اللاعبين المحليين والإقليميين.
تأسيساً على كل ذلك لا يمكن اعتبار زيارة أردوغان إلى طهران "إعلاناً لتحالف جديد" كما ذهب البعض، بل تدشيناً لعودة تركيا إلى حلبة الشرق الأوسط وإلى ساحة التنافس مع إيران.. بأدوات جديدة وفى ظروف إقليمية متغيرة.اسلام اون لاين نت
=================================================