
"سابينا جُنَّت، تحدث إليها أرجوك، فربما كان لك تأثير عليها."
وسابينا طالبة من مدينة درسدن في ألمانيا الشرقية كانت تدرس الطب في بودابست، فضلا عن ذلك كانت إحدى الطالبات في دورة اللغة الإنجليزية التي كنت اشرف عليها عام 1986.
أما الشاب الذي هرع إلي والهلع باد على ملامحه، فهو بيتر، أحد تلاميذي أيضا في الدورة ذاتها، وصديق سابينا، وهو مجري.
وسبب شعوره بالهلع هو أن سابينا كانت تحاول مغادرة المجر بشكل غير قانوني عبر الحدود مع النمسا، وهو شيء كثيرا ما فعله زملاء لها في سنوات سابقة، بعضهم حالفه النجاح، وآخرون انتهوا في المعتقل، إما في المجر أو في بلدهم ألمانيا الشرقية.
كثير من الألمان الشرقيين سلكوا هذا الطريق، ومنهم من كان يحضر خصيصا إلى المجر للإقدام على المحاولة.
هذا المنفذ إلى أوروبا الغربية كان أقل خطرا من محاولة التسلل من برلين الشرقية إلى برلين الغربية، عبر الجدار، فمحاولات كتلك كثيرا ما انتهت بإطلاق النار على المتسللين، وإصابة بعضهم في مقتل، وقد بلغ عدد الذين قتلوا خلال محاولات التسلل 136 شخصا حسب مركز بوستدام للأبحاث التاريخية.
وقد قتل نصف العدد المذكور في السنوات الخمس الأولى من إقامة الجدار بينما سقط آخر ضحية، وهو شاب في الثانية والعشرين، في السادس من فبراير/ شباط عام 1989.
مع ذلك نجح في الوصول الى الجزء الغربي من برلين خمسة آلاف شخص بين أغسطس/آب 1961، وهو تاريخ إقامة الجدار، ونوفمبر/تشرين الثاني عان 2009، وهو تاريخ سقوطه. وكان 1،6 مليون شخص قد هجروا ألمانيا الشرقية الى برلين الغربية بين عامي 1949 و 1961، وهذا كان السبب في إقامة الجدار.
كان طول الجدار 155 كيلومترا، وكان يحيط بالجزء الغربي من برلين بشكل كامل، وقد أقيم عليه 300 برج مراقبة، كما أنشئ تحته نظام من الأنفاق تحت الأرض كان يتكون من 43 نفقا.
الوضع على الحدود المجرية النمساوية كان أقل خطرا، وهو انعكاس للفرق الواضح بين النظام الليبرالي، سياسيا واقتصاديا، الذي كان سائدا في المجر، والنظام المتشدد على الصعيدين في ألمانيا الشرقية.
"طيور السنونو"
لم تنتظر سابينا طويلا قبل أن تفتح المجر حدودها مع النمسا على مصراعيها للراغبين من الألمان الشرقيين بالسفر إلى أوروبا الغربية، بشكل قانوني ودون مخاطر، حيث حدث هذا في العاشر من شهر سبتمبر/أيلول عام 1989.
بعد ذلك بشهرين سقط جدار برلين.
"طائر سنونو واحد لا يجلب الصيف"، كما يقول المثل الإنجليزي، ولكن صيف سابينا ورفاقها جلبه أكثر من طائر واحد، وكانت جذور ذلك الصيف مجازيا، الخريف فلكيا، ضاربة في المشهد السياسي في أوروبا الشرقية بأبعد من جذور البريسترويكا والجلاسنوست التي جاء بها ميخائيل جورباتشوف.
رصاصة الرحمة
حين برز جورباتشوف بنظرياته على المسرح السياسي كان النظام الإشتراكي يحتضر، وهذه نتيجة توصل إليها الكثيرون ممن عاشوا في دول أوروبا الشرقية في تلك المرحلة.
أنا شخصيا عايشت هذه المرحلة في المجر، لذلك بإمكاني نقل ملامح تلك الصورة من هناك، وإن كان، كما اتضح لاحقا، لا فرق جوهريا بين دولة وأخرى في المنظومة، فكلها تداعت في نفس الفترة الزمنية، وبنفس السهولة تقريبا.
كنت قد وصلت إلى بودابست للدراسة عام 1980، وأحسست بالشرخ القائم بين الحزب والشعب في مرحلة مبكرة ، منذ وصلت معارفي اللغوية مستوى جعلني أستطيع قراءة الصحف ومتابعة النشرات الإخبارية والبرامج السياسية في التلفزيون.
بدأت ألاحظ الأعراض الأولية للاحتضار في النصف الأول من الثمانينيات: وجدت نفسي في مجتمع من المفروض أنه إشتراكي، ولكن معظم افراده يجاهرون بالعداء للاشتراكية.
ما لفت انتباهي أن العداء لم يكن لممارسات بعض كوادر الحزب الحاكم، بل لجوهر النظام السياسي ككل. لم يكن المواطنون يخفون إعجابهم بالنظام الرأسمالي، أو على الأقل تصورهم غير الواقعي عنه.
كان انطباعهم عن المجتمعات الغربية قائما على الصورة التي تقدمها أفلام هوليوود، والانطباع الذي يتركه السياح الغربيون الذين يصلون للاصطياف على شواطئء بحيرة البلاطون في سيارات ليست فارهة بالضرورة، ولكنها لا تقارن بسيارة الترابانت ، صناعة ألمانيا الشرقية، أو حتى سيارة "لادا" السوفياتية الصنع.
كان أولئك السياح يستبدلون دولاراتهم وماركاتهم بمبالغ طائلة من العملة المحلية، وينفقون عن سعة، والسكان يرونهم ويتحسرون.
في المجر، وفي الدول الاشتراكية الأخرى، كما اكتشفت من حواراتي مع طلاب جامعيين من دول المنظومة الأخرى، كان الناس يعتقدون أن العيش في مجتمع رأسمالي يضمن لك الحصول على عربة فارهة، وشقة واسعة، وحياة رغدة.
كثيرا ما تندر بعض مخرجي الأفلام من أوروبا الشرقية على هذه النظرة، بتصويرهم مهاجرين أوروبيين شرقيين يصلون في بداية الصيف إلى مسقط رأسهم في بودابست أو براغ أو وارسو، قادمين من مهجرهم في ألمانيا الغربية، يختالون بسيارة مرسيديس، يتجمع الأطفال والكبار لمعاينتها بانبهار، ليتضح في نهاية الفيلم أنها سيارة مستعارة من صديق ألماني ثري، أو في أحسن الأحوال مستأجرة، دفع المواطن إيجارا لها كل ما ادخره في سنته.
مع نهاية النصف الأول من الثمانينيات بدأ الشعور بعدم الرضى يتحول الى تململ، ثم ما لبث أن أخذ شكلا أكثر صراحة ومباشرة.
التمرد السلمي بدأ في الفن في وقت مبكر جدا: خاصة في الموسيقى والأفلام والمسرح، وكانت السلطات تبدي درجة من التسامح مع هذا الشكل من التمرد، وتعتبره شكلا من أشكال التنفيس الإيجابي.
أما حين بدأ طلاب الجامعات بشكل خاص، الذين سيشكلون لاحقا نواة المعارضة، يجاهرون بطموحات سياسية، فقد بدأ أقطاب النظام يأخذون حذرهم.
حين ذهب فيكتور أوربان الذي أصبح أصغر رئيس للوزراء سنا بعد انهيار النظام وصديقه تماش دايتش، الذي أصبح فيما بعد وزيرا للرياضة والشباب، إلى براغ لتقديم اعتذار للشعب التشيكي بسبب مشاركة الجيش المجري في قمع ما يعرف "بربيع براغ"، اعتقلته السلطات هناك، أما في بودابست فقد أدرك الحزب أن ايامه باتت معدودة.
تحول التململ الى صوت سياسي واضح المعالم، وبداية تشكيل التجمعات السياسية الشابة، التي لم تكن قد وصلت الى شكل الأحزاب أو التنظيمات بعد، كان يعني أن ما كان يعرف بالستار الحديدي بدأ تدريجيا بالتكسر.
حاول النظام المقاومة، ولكن الثمرة كانت قد نضجت، فإن لم يكن هناك من يقطفها فهي لا بد ستسقط إن لم يكن بفعل قوانين نيوتن فبفعل قوانين التاريخ.
لم يستسلم النظام في البداية، وبدأ يتخبط في خطواته السياسية والاقتصادية التي اعتقد أنها ستحول دون ما كان يخشاه، ولكن كان الأوان قد فات: لم ينفع دفع الرموز الإصلاحية من أمثال رجو بانياس إلى واجهة الحزب، ولا دفع كاروي جروس الى منصب رئاسة الوزراء: لقد انتهت اللعبة.
ظهور جورباتشوف وانتشار نظرياته كالنار في الهشيم كان يعني أن "قطع الدومينو بدأت تسقط" كما يقولون، ولم يكن انهيار جدار برلين سوى حدث رمزي، فهو كان آيلا للسقوط منذ سنين، حتى قبل أن يطلق جورباتشوف رصاصة الرحمة على النظام.
خلص استطلاع رأي أجرته بي بي سي إلى أن بعد مرور عشرين عاما على انهيار جدار برلين لا يزال ينتشر استياء كبير من رأسمالية السوق.وانتهى الاستطلاع الذي أجرته الخدمة العالمية في بي بي سي إلى أن 11 في المئة فقط من المستطلعة آراؤهم وينتمون إلى 27 بلدا قالوا إن النظام الجديد جيد.
وقال معظم أفراد العينة إنهم يعتقدون أن هناك ضرورة لإدخال ضوابط اقتصادية على النظام الرأسمالي وإصلاحه.
وأظهر الاستطلاع أن هناك انقساما حادا حول العالم بشأن ما إذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي شيء جيد أم لا.
وشكل انهيار جدار برلين عام 1989 فوزا بالنسبة إلى الناس العاديين في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية.
لكن استطلاع بي بي سي أظهر أن بعد مرور عشرين سنة على انهيار جدار برلين، فإن الثقة في رأسمالية السوق اهتزت بقوة خلال الشهور الاثني عشر الماضية من عمر الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت العالم.
وشارك في الاستطلاع أكثر من 29 ألف شخص موزعين على 27 بلدا حول العالم. ويرى أكثر من واحد من أصل خمسة أشخاص في الولايات المتحدة وباكستان أن النظام الرأسمالي بشكله الحالي يعمل بشكل جيد.
وقال نحو ربع أفراد العينة أي 23 في المئة إن النظام الرأسمالي ينطوي على عيوب قاتلة. وقد عبر عن وجهة النظر هذه 43 في المئة من الأشخاص في فرنسا و 38 في المئة في المكسيك و 35 في المئة في البرازيل.
وأبدى الكثير دعما قويا للغاية لقيام الحكومات حول العالم بتوزيع الثروات بشكل أكثر عدالة. وأيدت أغلبية الأشخاص في 22 من أصل 27 بلدا توزيع الموارد بشكل عادل.
واتفقت الأغلبية في كل البلدان تقريبا التي شملها الاستطلاع على أن الحكومات مطالبة بوضع ضوابط اقتصاية لتنظيم قطاع الأعمال. فقط الأتراك عبروا عن رغبتهم في رؤية تدخل حكومي أقل في الحياة الاقتصادية.
وقالت أغلبية كبيرة في أوروبا إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أمرا جيدا. وفي هذا السياق، عبر 74 في المئة من الألمان و 76 في المئة من البريطانيين و 74 من المئة من الفرنسيين عن رضاهم عن تفكك الاتحاد السوفييتي.
لكن كانت الصورة مغايرة خارج الدول المتقدمة في الغرب إذ قال نحو سبعة من أصل عشرة مصريين إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أمرا سيئا. كما كانت الارآء منقسمة بحدة في الهند وكينيا وإندونيسيا.
احتشد الآلاف في الشوارع المؤدية الى النقطة الرئيسية في جدار برلين السابق وهي بوابة براندنبيرج احتفالا بالذكرى العشرين لسقوطه، الذي كان ايذانا بانهيار الانظمة الشيوعية في اوروبا الشرقية وانتهاء الحرب الباردة التي قسمت اوروبا.
ووسط مشاركة العشرات من زعماء العالم بالقرب من بوابة براندنبيرج Brandenburg رمز إعادة توحيد ألمانيا عام 1990، ابتدأت تلك الاحتفالات بقداس في كنيسة كثسيمان الواقعة شرقي العاصمة الالمانية، والتي كانت في الماضي واحدة من انشط مراكز الاحتجاج خلال الاسابيع والاشهر التي سبقت سقوط الجدار.
وقد تقدمت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل، التي ترعرعت في الجزء الشيوعي السابق من المانيا، والتي كانت تعرف بجمهورية المانيا الديموقراطية، جموع الحاضرين في القداس.
وقد حذرت ميركل من ان آثار تقسيم المانيا الى شرقية وغربية ما زالت شاخصة وقائمة بين الالمان.
وقالت ميركل، في تصريحات للاعلام الالماني قبل الاحتفالات، ان عملية توحيد المانيا ما زالت غير مكتملة، وان الجزء الشرقي ما زال يحاول اللحاق اقتصاديا بالجزء الغربي الغني من المانيا.
يشار الى ان معدلات البطالة في الجزء الشرقي (الشيوعي السابق) من البلاد تبلغ ضعف معدلاتها في الجزء الغربي.
وفي هذا قالت ميركل انه "من اجل تحقيق العدالة في نوعية الحياة علينا ان نحل هذه المشكلة"، في اشارة الى البطالة.
وكان النظام الشيوعي الذي نصبه السوفيت في المانيا الشرقية قد اقام جدارا بطول 155 كيلومترا عام 1961 يعزل الجزء الغربي من برلين، بهدف منع مواطنيها من الفرار الى المانيا الغربية.
وقد افتتحت المعابر عبر الجدار بشكل مفاجئ في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989 عقب احتجاجات استمرت عدة اسابيع.
"إحياء التاريخ "
وكانت ميركل قد صرحت الأسبوع الماضي أن "سقوط الجدار كان أسعد يوم في تاريخ ألمانيا الحديث".
احتفالات بذكرى سقوط الجدار
ومن بين المدعوين للمشاركة في الاحتفال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون.
ومنهم أيضا الرئيس البولندي السابق ليخ فاليسا زعيم نقابة التضامن أول نقابة حرة في النظام الشيوعي ورئيس الوزراء المجري السابق ميكلوش نيمت الذي اتخذ قرار فتح الحدود مع النمسا أمام الألمان الشرقيين.
كما يحضر الاحتفالات الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل جورباتشوف الذي مهد الطريق بنظرياته الإصلاحية امام الخيارات الحرة لدول أوروبا الشرقية.
وسيتم دحرجة احجار دومينو ضخمة، رمزا للسقوط المتلاحق للانظمة الشيوعية في دول المنظومة الاشتراكية عام 1989.
وتشهد برلين قرب البوابة حف موسيقيا ضخما تتخلله احتفالات بالالعاب النارية ومشاركة موسيقيين من جميع أنحاء العالم.
وكانت وزيرة الخارجية الامريكي هيلاري كلينتون قد استثمرت هذه الاحتفالات بالدعوة الى اعادة تنشيط الجهود الاوروبية الامريكية الهادفة الى انقاذ ضحايا القمع والتطرف الديني.
وقالت كلينتون، في كلمة امام كبار السياسيين الاوروبيين المحتفلين بذكرى سقوط الجدار والذي انهى عقودا من الحرب الباردة، ان "تاريخنا لم يتوقف ليلة سقوط جدار برلين، بل بدأ متجددا".
واضافت: "علينا ايضا ان نشّكل شراكة اقوى لهزيمة جدران القرن الحادي والعشرين، ومواجهة هؤلاء الذين يقفون ويختبؤن وراءها، وهم المفجرون الانتحاريون، ومن يقتلون البنات ويشوهونهن لانهن يرغبن في الذهاب الى المدرسة".
الا ان توماس كاروثرز المحلل السياسي في مؤسسة كارنجي للسلام العالمي ومقرها واشنطن قال ان خطاب كلينتون هو بمثابة اصداء لخطاب ادارة الرئيس السابق جورج بوش، الذي كان يقارن بين عهد الحرب الباردة ومحاربة التطرف.
ويرى هذا الخبير ان الاوروبيين وغيرهم لم تقنعهم تلك المقاربة، وان قناعات الاوروبيين لم تتغير حتى مع تغير الادارة الحاكمة في البيت الابيض.- بى بى سى -
==================================================





