"السياسي والديني" .. تفكيك لصالح "علمانية كونية"

الثلاثاء، نوفمبر 24، 2009


"السياسي والديني" .. تفكيك لصالح "علمانية كونية"


هل العلمانية الكونية أو المؤمنة تعد حلا إجرائيا لعلاقة السياسي والديني في المجال الإسلامي؟ سؤال تبدو الإجابة عليه واجبا حتميا، في ظل ارتفاع وتيرة المطالبة بهذه العلمانية بديلا عن الخصوصية الإسلامية على وجه التحديد.. وإن ضم المطالبون إليها أي خصوصية "نخبوية" أخرى.. على حد تعابيرهم.
الكتاب: السياسي والديني في المجال الإسلاميالمؤلف: محمد الشريف الفرجانيسنة النشر: 2008ترجمة: محمد الصغير جنجارمنشورات: "مقدمات" (سلسلة الدين والمجتمع)
لكن ثقل الرد على مثل هذا الطرح يبقى موكولا للحركات الإسلامية، التي أسست تجربتها السياسية على مجموعة من المفاهيم، حاول الكتاب الذي بين أيدينا نزع اللباس الديني عنها، من خلال استشهادات تاريخية وتأصيل اللغوي لمفاهيم اللغة السياسية الإسلامية ورد تصورات المفكرين الغربيين للغة السياسية للإسلام.
فبالاستناد إلى تحليل الوقائع التاريخية وتأصيل مفاهيم اللغة السياسية، يدافع الكاتب التونسي محمد الشريف الفرجاني في كتابه "السياسي والديني في المجال الإسلامي"، الذي ترجمه للعربية محمد الصغير جنجار، عن حتمية التمييز بين المقدس والتاريخي في الدين الإسلامي، بغية الوصول إلى علمانية وديمقراطية تحترم كونية الإنسان وحقوقه.
الكتاب، الذي جاء ثمرة مقالات دبجها المؤلف في فترات متباينة، يقدم تفكيكا سوسيولوجيا وفكريا وسياسيا للمفاهيم المكثفة ذات العلاقة بين الديني والسياسي في الدين الإسلامي، نافيا شمولية الشريعة للديني والسياسي من خلال تحليل الوقائع التاريخية والمفاهيم المؤطرة للعلاقة البينية الإسلامية وبين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات والثقافات الأخرى بهدف تحقيق تواصل إنساني كوني.
قد يكون تقديم الكتاب بكثافة تحليلاته وآرائه النقدية العميقة ضربا من المغامرة، غير أن الحجج العلمية والموضوعية المبثوثة في ثنايا الكتاب قد تجعل القراءة شيئا مفيدا ضمن دائرة "ما لا يدرك كله لا يترك بعضه"، وليس فقط "ما لا يدرك كله لا يترك جله".
قضايا السياسي والديني
ينتقد المؤلف التصورات السياسية "المحسوبة" على الإسلام، من خلال إعادة تحليل المقولات التي توظفها التيارات الإسلامية -السنية والشيعية- في السياقات الثقافية والتاريخية، بهدف إضفاء النسبية عليها، وتجاوز وضع الإسلام في مواجهة الحداثة الغربية.
فالدراسة تتيح "إدراك الرهانات الاجتماعية والسياسية للنقاش الدائر حاليا حول قضايا من قبيل العلمانية، ووضع المرأة، وحرية الفكر، وتطور المؤسسات السياسية الإسلامية، ونشأة المذاهب الإسلامية وتطورها في مقاربة المجال السياسي".
ويحدد المؤلف أن "الإشكالية التي تمنح الكتاب وحدته، مدارها العلاقات بين العوامل السياسية والدينية في المجال الإسلامي.. وقد تم تفضيل عبارة المجال الإسلامي على كلمة (الإسلام)، نظرا للخلط الذي بات يشوب استعمال هذه العبارة جراء المقاربات الماهوية، التي تمارس التعتيم على تنوع الوقائع والتمثلات المندرجة في المجال الإسلامي، بغية الإيهام بوجود إسلام أزلي لا مكان فيه للاختلاف، ولا صلة له بالتاريخ..".
ويضم الكتاب مجموعة من المقالات التحليلية، التي تمثل محاور له، وإن كان المؤلف يقسمها إلى فصلين كبيرين: يتناول الفصل الأول الاختلافات بين أهم المواقف والأطروحات المتعلقة بإشكالية الكتاب، ويليه تحليل تاريخي لنشأة وتطورات العلاقة بين السياسي والديني، انطلاقا من الوقائع التأسيسية للإسلام منذ خلافة المدينة إلى يومنا هذا.
وتتضمن المقالات، التي تكون الجزء الثاني من الكتاب، النظريات السياسية لأهم الفرق الإسلامية –سنية، وشيعية- مقدما لمحات تاريخية مستفيضة عن النظريات الشيعية في مسألة ولاية الفقيه والمهدي المنتظر، واختلافها مع النظرة السنية للخلافة وشروطها..
كما يقدم مجموعة من القضايا ذات التماس بين المجالين السياسي والديني مثل: حرية المعتقد وحقوق الإنسان وحجاب المرأة والشريعة والقانون..
وتكشف عناوين المقالات المضمون المكثف لإشكالاتها، فمثلا عنوان كـ"في العلاقة بين الإسلام والسياسة.. أهم الأطروحات" وأيضا "السياسي والديني في الجزيرة العربية قبل الإسلام"، كذلك "في الخلافة وأشكال الهيمنة السياسية في المجتمعات الإسلامية".
آليات المقاربة
ويوضح المؤلف أن منهجيته في مقاربة الإشكالات السابقة تعتمد "المنهج المقارن" بتجاوز الرؤية الماهوية الإسلامية والاستشراقية، إذ يقوم هذا المنهج المقارن على رؤية مناهضة لـ"الثقافوية" -وهي نزعة ترى في الثقافات جواهر ثابتة لا تتفاعل مع بعضها- الغارقة في تقديس الهويات المنغلقة في وجه أي تفاعل مع التاريخ ومع الآخر، والخصوصيات النافية للبعد الكوني لإنسانية الإنسان".
ويعضد المؤلف انحيازه لهذه المنهجية بالعودة إلى الأصول اللغوية والدلالية للمفردات المرتبطة بالمجال السياسي والديني، دفعًا للتأويل الذي التصق بها، بسبب تأثير الوقائع التاريخية التي حصلت في التاريخ الإسلامي، في أفق نزع الطابع الديني عليها، وجعلها تصورات "نسبية"، يمكن الوقوف عندها في كل الأديان والثقافات.. وليس في الإسلام لوحده.
ويحرص المؤلف على تفسير الوقائع التاريخية في المجال الإسلامي بكونها نتاج تفاعل اقتصادي واجتماعي، ينزع عنها الطابع الديني أو كون مصدرها من الوحي، مثل حديثه عن "الإسلام الناشئ" وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكونه جاء "زعيما منقذا" لفقراء مكة من اضطهاد أثريائها.
وباعتماد قراءات ذات طابع استشراقي، يشير المؤلف إلى أن نقض صلح الحديبية كان من المسلمين سنة629، وربط الجهاد بالغزو لاسترجاع المغانم الاقتصادية، ليخلص بعد بيان تحركات المسلمين في وقت البعثة المحمدية إلى القول: "لا مناص من الإقرار بالفروق الواضحة بين القرآن المكي والقرآن المدني، وبتغلب النفس الطوباوي (المثالي) على الأول، وتقلصه لفائدة نوع من الواقعية السياسية في الثاني، ممهدا القول عن تباين السياسي والديني، وكون المفاهيم المؤسسة للغة السياسية للإسلام نتيجة تفاعلات وصراعات تاريخية نحو السلطة، أكبر منها معالم ومبادئ تستمد أصلها من الدين".
وهي الرؤية التي سيكشفها المؤلف بالرجوع للأصول اللغوية لبعض المفردات المرتبطة بالسياسة، حيث يوضح انطلاقا من معجم "لسان العرب" أن مفاهيم مثل: آيات الأحكام والسلطة والسلطان والدولة والحكم والأمة والإمامة والخلافة والشورى والولاية.. هي مفاهيم رغم ورودها لغويا في القرآن العظيم، فإنها اكتسبت دلالات سياسية مع من أسماهم المؤلف بدعاة "الإسلام السياسي".
العلمانية الكونية
وبخلاف الإشارات الضمنية والتلميحية للقضايا المثارة في مقالات الكتاب، يدقق المؤلف النظر في مفهوم العلمانية، التي يمكن أن تكون أسلوبا لتحقيق الديمقراطية، وإنسانية الإنسان كمفهوم كوني، حيث خصص محورا خاصا بها في عشر ورقات.. من الصفحة 220 إلى الصفحة 238.
وينطلق الفرجاني من تعريفات ثلاثة للعلمانية، حيث يربط تعريفها الأول بخصوصية النظام الجمهوري الفرنسي فكريا وتاريخيا، ويتناول التعريف الثاني التصورات المميزة للعلاقة بين السياسي والديني في الحضارة الغربية، أما التعريف الثالث فيعتبرها "أفقا كونيا" لا يرتبط بجوهر هذه الثقافة أو تلك.
وبعد إيراد حجج المؤيدين والمعارضين لكل أطروحة تعريفية، يؤكد المؤلف تبنيه للعلمانية الكونية، التي لا ترتبط بشكل ظهور العلمانية بتاريخها المسيحي أو الفرنسي، ولكن بكونها تحقق الحرية والمساواة للمواطنين، بدل استبداد الأنظمة التي تربط السياسي بالمذهب الديني والفلسفي، بغية إقناع الناس بحتمية الظلم واللامساواة داخل المجتمع.
وكما يفند المؤلف التصورات التي تفترض وجود الخصومة بين رجال الدين والعلمانية أو كون العلمانية "معادية للمؤسسة الدينية"، يؤكد أن العلمانية "لا يمكن أن تتعايش مع التحولات على حساب الديمقراطية".
ويوضح أن "العلمانية تدل على ثلاثة أشياء:
ـ حرية المعتقد التي لا تقبل بالدولة الدينية الثيوقراطية وبالدولة المذهبية، لأن مثل هذه الدول لا يمكن إلا أن تمارس التمييز بين مواطنيها، وأن تحد من حرياتهم على أساس الوفاء أو عدم الوفاء لمرجعيتها المذهبية.
ـ ضرورة ضمان رابطة اجتماعية قائمة على أساس حقوق تؤمنها الخدمات العمومية المقدمة لكل أفراد المجتمع من دون تمييز...
ـ السيادة الكاملة للشعب، التي لا تقبل بأي شكل من أشكال الحكم النخبوي".
ليخلص إلى القول: إنه "سواء تعلق الأمر بالعلمانية أو بغيرها من القضايا، فلا وجود لخصوصية إسلامية أو خصوصية غربية، فعلى غرار ما نشهده في أوروبا وغيرها من البلاد الغربية، ظلت العلمنة والعلاقات بين السياسي والديني مطبوعة بثقل التاريخ، وبالصلات القديمة التي تربط الدولة بالمؤسسات الدينية".
وتأسيسا على ما سبق، يقول مؤلف الكتاب: "إن التحليل العلمي للمظاهر السياسية التي اكتسبتها الوقائع المؤسسة للإسلام، ولنشأة وتطور العلاقات بين الديني والسياسي في العوالم الإسلامية، وفحص المفاهيم السياسية لمختلف الفرق والمذاهب المنتسبة للإسلام كما جاءت في آثار العديد من المفكرين المسلمين القدماء والمعاصرين، ومقارنة ذلك بما حصل ويحصل في فضاءات جغرافية وثقافية مغايرة، يبين أن الإسلام كدين لا يحمل أي تصور خاص وثابت للدولة والقانون، أو للحرب والسلم ولـ"العلاقات بين الله والإنسان، وبين الفرد والجماعة، والمواطن والدولة، والآباء والأبناء والزوج والزوجة..".
إنه حكم قاسٍ بالطبع.. لكن الاستشهادات التاريخية والتأصيل اللغوي لمفاهيم اللغة السياسية الإسلامية ورد تصورات المفكرين الغربيين للغة السياسية للإسلام، قد يجعل الرد عليه ثقلا موكولا للحركات الإسلامية، التي أسست تجربتها السياسية على مجموعة من المفاهيم، حاول الشريف الفرجاني نزع اللباس الديني عنها، مما يتطلب جهدا فكريا وعلميا لبيان: هل العلمانية الكونية أو المؤمنة تعد حلا إجرائيا لعلاقة السياسي والديني في المجال الإسلامي اسلام اون لاين نت
===============================================