‬بقلم عصام كامل = رئيس تحرير جريدة الاحرارالمصرية

الاثنين، أكتوبر 05، 2009

سيناريوهات مشبوهة

ربما ارتسمت علي‮ ‬وجهي‮ ‬علامات الفضول وانا اتوجه بسؤال إلي‮ ‬مسئول الماني‮ ‬عن المعني‮ ‬الاعمق للاهتمام الالماني‮ ‬خاصة والأوروبي‮ ‬بوجه عام بالقاهرة وربما جاءت اجابته شافية ووافية لما دار في‮ ‬خلدي‮ ‬من هواجس اكثر منها احساس بالذات‮.‬قال الرجل ان القاهرة هي‮ ‬صمام الامان في‮ ‬الشرق الاوسط وهي‮ ‬العاصمة الاكثر تأثيرا ثقافيا وحضاريا وسياسياً‮ ‬وهي‮ ‬نفس النواحي‮ ‬التي‮ ‬نشكو من تراجعنا فيها في‮ ‬اطار سياسة جلد الذات التي‮ ‬اصبحت نمطا اعلامياً‮ ‬سائداً‮ ‬في‮ ‬الآونة الاخيرة‮.‬زاد من هواجس ما تتناوله جهات البحث في‮ ‬دولتين علي‮ ‬وجه التحديد هي‮ ‬امريكا واسرائيل حول السيناريوهات المستقبلية لمصر ما بين توقعات متشائمة واخري‮ ‬اكثر تشاؤما وكأن الشعب المصري‮ ‬لم‮ ‬يبلغ‮ ‬الحلم بعد‮.‬بعض المراكز تحدثت عن الدور القادم للاخوان وبعضها عظم من هذا الدور واعتبرهم البديل الاسوأ في‮ ‬المرحلة القادمة ومن ثم دار حوار من تحت المنضدة وظهرت بعده بوادر تسريعات اعلامية مقصودة الهدف منها تقوية شوكة الاخوان وليس التحذير من خطورة حصار الدولة المدنية في‮ ‬مصر‮.‬شخصيا اعتقد ان تلك الاطروحات التي‮ ‬تلقي‮ ‬بها مراكز البحث الامريكية والاسرائىلية علي‮ ‬شبكة المعلومات العالمية الانترنت وعلي‮ ‬صفحات الصحف وفي‮ ‬وسائل الاعلام المرئية تستهدف ارهاب النظام المصري‮ ‬خاصة ان بعضها تحدث في‮ ‬المناطق المحظورة وخاصة في‮ ‬تفاصيل نتصور انها من اعمال السيادة التي‮ ‬لم تقض عليها حتي‮ ‬تاريخه جميع مظاهر العولمة‮.‬بعض الدراسات التي‮ ‬قامت بها جهات بحثية امريكية استهدفت بما لا‮ ‬يدع مجالا للشك تحريك مؤسسات ذات ثقل في‮ ‬المجتمع المصري‮ ‬عن طريق محاولة استفزازها بسيناريوهات أراها ابعد ما تكون عن التحقق من خلال التفسير التاريخي‮ ‬للاحداث في‮ ‬الماضي‮ ‬واعتمادا علي‮ ‬منطق المجتمع المصري‮ ‬المسالم بطبيعته بعيدا عن النظريات الامريكية والقراءة الاسرائيلية الهادفة اساساً‮ ‬إلي‮ ‬زعزعة استقرار مصر وفض بكارة امنها وهدوئها وممارستها السياسية التي‮ ‬تتسم بالهدوء‮.‬يغذي‮ ‬تلك الهواجس والمخاوف طابور خامس‮ ‬يتنامي‮ ‬الان في‮ ‬مصر تحت عنوان عريض اسمه مؤسسات المجتمع المدني‮ ‬التي‮ ‬تعتمد في‮ ‬تمويلها علي‮ ‬مؤسسات دولية لها اهدافها التي‮ ‬لا تخفي‮ ‬علي‮ ‬السذج من امثالي‮ ‬قبل العالمين ببواطن الامور ممن‮ ‬يتابعون عن كثب الخطر القادم من داخل مصر قبل خارجها‮.‬يشهد التاريخ ان بلادنا مرت بلحظات عصيبة اظهر فيها الشعب المصري‮ ‬قدرات عادة ما تختفي‮ ‬في‮ ‬فترات الغموض السياسي‮ ‬ثم سرعان ما تتحرك كجبهة انقاذ موحدة ضد كل من‮ ‬يحاول النيل من استقرار الوطن‮.‬واذا كانت جميع السيناريوهات تتحدث عن‮ »‬بعبع‮« ‬الاخوان فإن النظام المصري‮ ‬هو الذي‮ ‬صنع من الجماعة الصغيرة عملاقاً‮ ‬بالهجوم‮ ‬غير المبرر عليها حتي‮ ‬اصبحت جزءا من اسطورة صنعها النظام ومازال الشعب‮ ‬يحاول مقاومتها‮.‬نعم‮.. ‬الشعب المصري‮ ‬يقاوم كل ما‮ ‬يتعارض مع مجموعته القيمية التي‮ ‬تتسم بالتسامح والحوار والتفاهم وهي‮ ‬اهداف تغيب كلها عن جميع المنظومات التي‮ ‬ترتدي‮ ‬عباءة الدين علي‮ ‬المسرح وتعمل عكس ذلك خلف الستار‮.‬وهناك تيار داخل النظام المصري‮ ‬يقف بالمرصاد للمقاومة الشعبية من خلال تصفية حقيقية للاحزاب السياسية وجميع التيارات السياسية الشرعية التي‮ ‬تحاول لعب دور وطني‮ ‬حقيقي‮ ‬من داخل علب واسوار فرضت عليها جبراً‮ ‬وبالقوة حيث طردت الاحزاب من الجامعات ومازالت فلولها تعاني‮ ‬قيودا في‮ ‬الشارع المصري‮!!‬
مطلوب للتعيين‮.. ‬واحد مش ساكن فى الهرم
بينما كنت‮ ‬غارقا فى المشهد النيلى الممنوح لواحد من فنادق الخمس نجوم داعيا دبلوماسىاً‮ ‬غربىاً‮ ‬على العشاء عندما بادرنى‮:‬‭ ‬هل ترى كل هؤلاء البشر الذين‮ ‬يجوبون شاطئ النيل ذهابا وإيابا فى تلك الساعة المتأخرة من الليل؟ وقبل أن أجيب أردف قائلا‮: ‬هل ترى هؤلاء المتسكعين فى شوارع القاهرة العامرة دوما بالزحام؟ وهل ترى كل هؤلاء الشباب والشيوخ والنساء الجالسين حتى الفجر على المقاهى؟ وأجاب هو بالقول‮: ‬متى‮ ‬يذهبون إلى أعمالهم؟ وقبل أن أفسر الماء بالماء وقبل أن أحاول جاهدا تجميل الصورة الرديئة‮ ‬غاصت كل أفكارى فى زمن كنت أرى فيه الفلاح‮ ‬يلقى بجسده المتعب بعد صلاة العشاء على فراش لم‮ ‬يكن وثيرا ليستيقظ على صوت أذان الفجر عازما إقامة حفل عناق بين الفأس والأرض قبل أن تطل الشمس بنارها الحامية على المعمورة‮.‬الحقيقة التى‮ ‬يعرفها الدبلوماسى الغربى وأدركها أنا أنه لا أحد من كل هؤلاء الملايين‮ ‬يذهب صباحا إلى عمله فإن ذهب فإنه لا‮ ‬يعمل وإن عمل فإنه لا‮ ‬يجيد وإن أجاد فإنه شاذ داخل قاعدة ترفض العمل ولا تقدسه ولا تعتبره أصلا للحياة باعتباره أصل الإعمار فى الأرض‮.‬ربما كان ذلك سببا وجيها دفع بعض المستثمرين من الأجانب أن‮ ‬يطلبوا من الدولة استقدام عمالة من جنوب شرق آسيا وربما كان ذلك سببا منطقيا فى صدور تقارير دولية عن عدد ساعات العمل النادرة فى قاموس المصريين وهو أيضا التفسير المنطقى لهجمة الشباب على التعيين فى الحكومة فمال الحكومة سايب والتأمين الصحى‮ ‬يمنح الأجازات المرضية دون كشف وللتزويغ‮ ‬أصول وفنون‮ ‬يعهدها المصريون ويتفوقون فيها ويحققون فيها إنجازات ضخمة تفوق الخيال‮.‬كان‮ ‬يعمل موظفا فى إحدى المؤسسات وعادة ما‮ ‬يأتى متأخرا عن مواعيد العمل بساعتين وعندما استدعاه المدير ليسأله عن أسباب تأخيره قال الرجل إنه‮ ‬يسكن في‮ ‬شارع الهرم وكما تعلمون أن الإقامة في‮ ‬شارع الهرم مغامرة خطيرة العواقب فالانتقال فيه مخاطرة تكمل المغامرة وطلب الموظف من صاحب العمل أن‮ ‬يراعى ذلك فلم‮ ‬يكن من صاحب العمل إلا أن وقع على ورقة بيضاء‮ »‬يفصل السيد فلان من عمله ويعين بديل له شريطة ألا‮ ‬يكون من سكان الهرم‮!!«.‬وصف العمال صاحب العمل بأنه قاسي‮ ‬القلب وأنه‮ »‬قطع عيش الموظف‮« ‬وعندما وصلت الى أسماع المالك حكايات الموظفين عليه علق ورقة فى اللوحة‮ »‬قطعنا عيش فلان الفلانى وأوصلنا عيش واحد آخر ليس من سكان الهرم‮«.‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬يوميا‮ ‬يجعل من نكتة القاضى التاريخى موضوعا للساعة لا‮ ‬يموت أبدا حيث‮ ‬يروى فى الأثر أن قاضيا شهر فى المدينة بتوبيخ المتهمين وشتمهم بأفظع الألفاظ‮.. ‬دخل عليه الحاجب ذات‮ ‬يوم مؤكدا له أن من‮ ‬يجلسون فى الصف الأول داخل القاعة هم من التفتيش القضائى
بعد أن أصبحت حكايته فى شتم المتهمين مادة ثرية تسىء إلى القضاء والقضاة‮.. ‬جلس القاضى على المنصة وطلب المتهم الأول وبادره بسؤال‮: ‬أليست عليك ديون لهذا الرجل؟ رد المتهم‮: ‬نعم‮ ‬يا سيدى‮.. ‬سأله‮: ‬ولماذا لا تدفعها؟ رد المتهم‮: ‬لقد ادخرت المبلغ‮ ‬يا سيادة القاضى وعندما ذهبت لرده لم أجده فى منزله‮ ‬يوما فى آخر أنفقت المبلغ‮ ‬وقد تكرر هذا الموقف معى‮ ‬يا سيادة القاضى‮..‬‭ ‬سأله‮: ‬إذن متى تسدد ديونك؟ أجاب المتهم‮: ‬‭ ‬أستأذن سيادتك أن تحبس صاحب الدين عندك حتى أدخر المبلغ‮ ‬وبذلك أضمن أن أجده فأرده بمجرد توفيره‮..‬‭ ‬نظر القاضى إلى المفتشين قائلا‮ ‬‭: ‬تشتموه انتوا ولاَّ‮ ‬أشتمه أنا‮!!‬فى قريتنا الصغيرة كان الجلوس على المقهى عاراً‮ ‬يلحق بالأسرة كلها وتسمع المتهامسين‮ ‬يرددون حكايات الشاب‮ »‬البايظ‮«‬‭ ‬الذى رأوه فى المدينة‮ ‬يجلس محاولا التخفى على مقهى‮.. ‬فى آخر زيارة لى أخبرنى صديقى أن بالقرية أكثر من عشرين مقهى‮.‬القصة لا ترتبط بالبطالة كما نحاول وضعها شماعة فكل الشباب‮ ‬يرغبون فى العمل بشركة المصرية للاتصالات أو وزارة الكهرباء أو وزارة البترول‮.. ‬ليس هناك اختيار رابع إلا البنوك‮..‬‭ ‬مؤهلون لذلك؟‮.. ‬أبدا هل حاولوا البحث عن عمل؟‮.. ‬إطلاقا‮.. ‬الكل‮ ‬يبحث عن واسطة تقذفهم داخل كنز البترول أو الكهرباء أو الاتصالات أو البنوك‮.‬بعضهم كسر هذا الحاجز وانطلق إلى مدينة‮ ‬6‮ ‬أكتوبر ثم سرعان ما اختطف عددا من أصدقائه فإن كانت الفيوم ضاقت عليهم فمحافظة أكتوبر استقبلتهم ومنحتهم ما لم تمنحه لهم الفيوم‮.‬ماذا‮ ‬يحدث إذا ما تقرر تعيين أحدهم فى البترول أو الكهرباء أو البنوك؟ أول خطوة البحث عن واسطة أخرى لنقلهم الى عمل‮ ‬يلاصق منازلهم لأن المواصلات صعبة وثانى المساعى البحث عن واسطة لتغيير‮ »‬الكارير‮«‬‭ ‬وهكذا‮.‬وأمام هذه الحالة المأساوية لا تجد ما‮ ‬يعبر عنها الا رباعية العبقرى الراحل صلاح جاهين‮:‬‭ ‬لا تجبر الإنسان ولا تخيره‮.. ‬يكفيه ما فيه من عقل بيحيره اللى‮ ‬يطلبه ويتمناه هو اللى بكره‮ ‬يشتهى‮ ‬يغيره‮.‬‭
====================================================