نظام إقليمي جديد يواجه إيران ويبطل فاعلية سوريا
إن الدور الأميركي الجديد الذي تقوم به الإدارة الأميركية في سبيل تأمين أدوات جديدة تشكل رافعة استراتيجيتها من أجل حماية جملة مصالحها على مستوى المنطقة، وحماية أمن واستقرار واستقلال (إسرائيل)، يجعلها تبحث عن مساحات اشتباك جديدة بين مكونات المنطقة ذاتها، تمنحها القدرة الإضافية لإحداث مواجهات تؤسس لإحداث نظام إقليمي جديد، تصطف فيه بعض القوى لقيادة التضييق والعزل معا، على القوى الرئيسية التي وقفت في وجه مشروعها المهزوم والذي أراد إعادة إنتاج المنطقة آنفا. التواصل الجديد الحاصل في المنطقة، الذي قادته الإدارة الأميركية الجديدة مع تركيا، إضافة إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما فيها، وجملة المواقف التي أطلقها منها، ثم محاولة تعديل كفّة الميزان من خلال خطاب جديد له أطلقه من القاهرة، والزيارات المتلاحقة التي قام بها مسؤولون أميركيون إلى المنطقة، والزيارات المقررة التي سيقوم بها بعض من هؤلاء المسؤولين إلى تلك المكونات، جميعها تفيد بأن هناك مشروعا جديدا لإيجاد أدوات تضييق جديدة، أساسها الضغط على قوى رئيسية عربية وإقليمية وتشكيل حلف إقليمي ـ عربي ـ إسرائيلي في مواجهتها، لفرض شروط العزل والتضييق ورفع سخونة المواجهة التي تمنح المنطقة أسباب إحداث مواجهات تساعد على فرز سابق ـ لاحق يساهم في تكريس الصراع ويتجاوز مربع المواجهة الحقيقية للأمة. إن هذا الحلف والاصطفاف الإقليمي ـ العربي ـ الإسرائيلي يحتاج إلى جملة مقدمات رئيسية، تنتج مناخا إيجابيا يساهم في توسيع دائرة اصطفاف سابق، كان قد تمّ الاشتغال عليه قبيل عدوان تموز 2006، حيث أفادت كل نتائج المواجهة أن الاصطفاف السابق لم يكن بمقدوره أن يؤدي الأهداف المرجوة منه، وبالتالي فإن التوجه اليوم يقوم على توسيع دائرة هذا الاصطفاف، وتكريسه. من جهة أولى، لا بد من إسقاط الذرائع التي ساهمت في خلق روح الاصطفاف الذي وقف في وجه المشروع الأميركي ـ الصهيوني خلال السنوات الأخيرة، حيث يتم التعامل مع الداخل الفلسطيني من أجل إنتاج دولته
بمعزل عن (حماس) التي سوف يتم التصويب عليها باعتبارها خارجة على إجماع فلسطيني داخلي، وسوف نرى محاولات حثيثة لتكريس سلطة الداخل التي يتم الاشتغال عليها باعتبارها تشكل أساس (الدولة الفلسطينية) ورافعة طموحات الشعب الفلسطيني، وتقديم معادل فلسطيني واحد يكون معزولا عن بعض القوى والمكونات أو المساهمات الإقليمية والعربية، وصولا إلى تحقيق الهدف الوطني الفلسطيني الذي يعني إقامة (الدولة الفلسطينية)، وإسقاط ذريعة التدخل السوري والإيراني في حيثيات البنى والمكونات الفلسطينية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان لا بد من التواصل مع حزب الله، والعمل على تسليكه بمعادلة الداخل اللبناني، والتركيز على معنى الدولة اللبنانية والسيادة لها، وإعادة تمهيد تواصل سوري ـ لبناني في سبيل إنجاز هذا المعنى الأخير الذي سيؤدي بالضرورة ـ في نظرهم ـ إلى انزياح سوري هام يربط دمشق ببيروت وفق منظومة وطنية شاملة، تتجاوز الربط السابق الذي يقوم على أساس دمشق مع بعض مكونات الداخل اللبناني، حيث ان هذا الربط سوف يؤسس لدور سوري جديد في لبنان، وهو دور موافق عليه عربيا ودوليا، في سبيل خلخلة هذا التلاحم السوري مع مكونات لبنانية بعينها، ومن ضمنها حزب الله. هذا الأمر يقود السوريين إلى تقديم شهادة حسن سلوك من خلال مدّ جسور واحدة مع كل المكونات اللبنانية، الأمر الذي يُسقط من يدّ السوريين ذريعة خصوصية علاقتهم بحزب الله، وبالتالي تحييد مكون هام من مكونات المواجهة، إضافة إلى إحداث الشرخ في الاصطفاف السوري ـ الإيراني.. ومن جهة ثالثة، كان لا بد من التواصل مع السوري لإحداث خرق سياسي هام، وهو الخرق الأقوى على مستوى معادلة الاصطفاف المقاوم الذي اسقط استراتيجية بوش، وذلك من خلال إحداث مساحات جديدة لحوار سوري ـ إسرائيلي يمنح المنطقة وقتا جديدا لخلخلة المواقف وتذرير بعض أدوات ووسائل وعوامل الاصطفاف السوري ـ الإيراني. ولن يكون بعيدا في هذا السياق أن يتم التلويح بضمانات أميركية وأوروبية تقدم للسوري بخصوص مرتفعات الجولان، وليس بعيدا أن تقدم منصات حوار جديدة على أساس منحه إمكانيات إضافية لإعادة تموضعه على مستوى المنطقة، وبالتالي تأمين مستلزمات هذا التموضع بمعزل عن علاقته بإيران. من أجل ذلك كان مطلوبا من بعض المكونات العربية، بشكل عميق وشديد، ألا تحدث وصلات إيجابية مع إيران، حتى ولو كانت هذه الوصلات والاتصالات للمساهمة في فضّ بعض التنازعات هنا وهناك، وكان مطلوبا، من هذه الأطراف العربية أن تبقي على درجة سخونة معينة مع إيران، في حين أنه كان مطلوبا منها أن تساهم في تلطيف جوّ العلاقات مع (إسرائيل)، بغية إحداث تسويق وإحداث اشتباك بعيد عنها، أي عن الأداة الأميركية، فهي تدفع بمكونات المنطقة لمواجهة إيران، والعمل على تقديم هذه المواجهة وهذا الصراع على أنه صراع إقليمي بحت، ليس له علاقة بأطراف دولية أو تداخلات خارجية. علينا أن ندرك جديا أن تفاصيل المشهد الجديد، تلك التي تتعلق بالتفكيك وإعادة التركيب والإنتاج، وفق رؤى واستشرافات تفيد أصحابها أولا وأخيرا، لا يمكن لأبناء المنطقة إلا أن يكونوا وقودا لها، كما أنها جميعها ليست جديدة، فقد تمّ الاشتغال على المنطقة وفق هذه النظريات واستعملت الأدوات ذاتها في محاولات مسعورة لتمرير تلك المصالح، بيد أن إمكانيات المواجهة عند أبناء المنطقة لا يمكن أن تنفد، ولا يمكن لها أن تنضب، في ظل قدرة على القراءة وعلى وجود طلائع قادرة على إدارة الصراع وإدارة المواجهة. -شام برس------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------





