أوجاع التعليم الجامعي فى مصر

أظهرت نتائج استطلاع حكومي أن طلاب الجامعات المصرية يواجهون مشاكل عديدة مع نظام التعليم الجامعي في مصر، فيما يخص المناهج التعليمية والكتاب الجامعي والنظام الإداري للجامعات. وذكر 44 % من الطلاب المشاركين في الاستطلاع أنهم يواجهون مشاكل بسبب المناهج الدراسية وتركزت المشاكل في طول المناهج الدراسية وكثرة الكتب للمادة الواحدة، في حين أشار 55 % من الطلبة انهم يواجهون مشاكل تتعلق بالكتاب الجامعي نفسه. وأضاف الاستطلاع الذي أعده المركز الالكتروني لاستطلاع الرأي العام التابع لمجلس الوزراء المصري أن 44% من العينة أكدوا أن ارتفاع أسعار الكتب الجامعية من أكثر المشاكل التي واجهتهم بينما أشار 25 % إلى مشكلة تأخر صدور الكتب، كما أشار نصف المبحوثين انهم يواجهون ظلما في تصحيح الامتحانات علاوة على مشكلة الدروس الخصوصية المتفشية بين نسبة كبيرة من الطلاب في الجامعات الرئيسية في القاهرة والإسكندرية (12% و 9% على التوالي ) . وعن المشاكل الإدارية والتنظيمية التي يواجهها المبحوثين في التعليم الجامعي ، ذكر 36 % منهم أنهم يواجهون مشاكل تتعلق بشئون الطلاب، ورأى ثلث هؤلاء 33 % ان سوء معاملة الموظفين للطلبة كانت من المشاكل التى تواجههم، تلتها مشكلة سوء توزيع جداول الامتحانات ، كما اظهر الاستطلاع أن 12 % فقط من المبحوثين يواجهون مشاكل تتعلق بالأنشطة الثقافية داخل الجامعة وأوضح 37 % منهم أن عدم الإعلان عن مواعيد هذه الأنشطة كان في مقدمة المشاكل التي واجهتهم . وذكر 8 % من المبحوثين أنهم يواجهون مشاكل تتعلق بالأنشطة الرياضية داخل الجامعة خاصة عدم الإعلان عن مواعيد الأنشطة الرياضية والتي جاءت في المقدمة بنسبه 27 % ، في حين ذكر 22 % أنهم يواجهون مشاكل في المكتبات التابعة للجامعة . واقترح المبحوثون ضرورة تطوير المناهج الدراسية وان يتم تحديدها من أول العام وذلك لتحسين التعليم الجامعي بينما اقترح 9 % من المبحوثين ضرورة تحسين العلاقة بين الطالب والأستاذ الجامعي يليهما زيادة الاعتماد على الجانب العلمي أكثر من النظري بنسبة 7 % . يذكر أن هذه العينة تمت على 1000 طالب جامعي من الذكور والإناث من كافة الجامعات المصرية بما فيها جامعة الأزهر.
وكان الاهرام العربى قد قدم تحقيقا كشف فية ان التعليم هو استثمار الغد ولا تتم نهضة أي مجتمع إلا بطفرة علمية وبرغم أهمية التعليم الجامعي في هذا الاستثمار باعتباره البوابة الأخيرة التي يعبرها الشباب قبل التحامهم بالواقع العملي, إلا أنه يواجه تحديات خطيرة أشبه بالأمراض التي أصبحت في أمس الحاجة إلي تشخيصها والإسراع بعلاجها, خصوصا أن هناك تطورا كبيرا في العملية التعليمية عالميا, مما يجعلنا نتساءل, هل يمكننا اللحاق بهذا التطور العالمي السريع والمتواصل؟ وما الحلول المقترحة اللازمة لذلك؟في البداية يقول الدكتور رشدي أحمد طعيمة, الأستاذ المتفرغ في كلية التربية جامعة المنصورة والعميد السابق لها ومستشار وزير التعليم العالي العماني ومستشار الهيئة الإسلامية العالمية لجودة التعليم وعميد كلية التربية بجامعة الإمارات الأسبق: تتمثل مشكلات التعليم الجامعي في مصر والعالم العربي بشكل عام في عدم تبني إستراتيجية عربية موحدة, فنحن لا نعرف إلي أين نحن سائرون وقد وضعت المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم, وكذلك المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم إستراتيجيات للتعليم العام الجامعي, لكن هذه الإستراتيجيات مازالت حبيسة الأدراج, وكذلك لا يوجد حتي الآن ربط دقيق بين برامج التعليم العالمي ومتطلبات سوق العمل, مما يحدث خللا في تركيبة الخريجين علاوة علي عدم مواكبة العصر من حيث التقنيات التربوية, فمازال التعليم الجامعي في معظم جامعاتنا العربية يعتمد في الكثير من برامجه علي التقنيات التقليدية, ولم توظف بعد بعض الأساليب الجامعية المتطورة مثل التعليم عن بعد والتعليم الذاتي, ويضاف أيضا إلي مشكلات التعليم الجامعي عدم التطبيق الجاد للأدوات والمقاييس التي تعدها الهيئات الدولية, فمازال بعضها مجرد دراسات علمية تم تكليف بعض الخبراء بها, وانتهي الأمر بتقاضي أجورهم عنها, فعلي سبيل المثال كنت قد كلفت بإعداد دليل الاعتماد الأكاديمي لجامعات العالم الإسلامي وتم إطلاقه في مؤتمر دولي في مكة منذ عدة شهور, ومع ذلك لايزال هذا الدليل مجرد بحث علمي دون أن يأخذ طريقه إلي التفعيل, كذلك هناك غياب للتنسيق بين الجامعات العربية.ولعل أهم وأكثر المشكلات التي يعانيها التعليم بشكل عام هي غياب الوازع الديني مما يدفع ببعض المشتغلين في التعليم الجامعي بالقتصار علي الحد الأدني من الأداء.وللخروج من هذه الأزمة أري أنه لابد من تفعيل إستراتيجية التعليم العالي التي وضعتها المؤسسات العربية والعالمية والإكثار من الملتقيات الفكرية بين المسئولين عن التعليم العالي لوضع تصور علمي للمشكلات والحلول علاوة علي وضع رؤية أو إستراتيجية مستقبلية للتعليم في ضوء المتغيرات سواء المحلية التي يعيشها العالم العربي أم العالمية التي تواكب العصر حتي لا نكون مثل الذي يصعد علي سلم كهربائي هابط.ويقول د. محمد النشار عميد كلية الهندسة جامعة حلوان: أن مقومات التعليم هي أستاذ الجامعة والإمكانات المادية والجهاز الإداري والطالب ولابد أن ينال التطوير من كل هذه المقومات وليس لعنصر منها دون الآخر, وبجانب ذلك أري أن مجانية التعليم تعد عاملا أسياسيا في حالة الضعف التي أصابت التعليم الجامعي لأنه أصبح من الصعب أن نوفر التعليم بالجودة المطلوبة في ظل الإمكانيات الضعيفة مع الأعداد الكبيرة من الطلبة, فلابد أن يسهم المجتمع من خلال رجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني في إنشاء جامعات جديدة حيث تتولي كل محافظة إنشاء جامعاتها, أيضا هناك تجربة ناجحة في فرنسا تعتمد علي نظرية الانشطار التي تري أن بدلا من إنشاء جامعات جديدة يمكن أن تحدث عملية انشطار للجامعة الواحدة فتتحول إلي جامعتين, فهذا أفضل من إنشاء جامعة جديدة لأننا لن نستطيع توفير العدد الكبير من الأساتذة خصوصا أن عدد الجامعات لدينا قليل جدا.كذلك لابد من معادلة أجور الأساتذة لأن غياب ذلك يؤدي إلي فقد الجامعة للمتميزين, وهناك مثال يؤكد ذلك لمسته عن قرب حيث فوجئت بخمسة معيدين يتقدمون لي باستقالتهم لأنهم وجدوا أن من هم أقل منهم أصبحوا يعملون خارج الجامعة بمرتب3000 جنيه, علاوة علي امتيازات أخري مثل توفير الشقة والسيارة بينما هو يحصل علي500 جنيه فقط.. أما فيما يتعلق بالدروس الخصوصية في الجامعة فهذا إفراز طبيعي لزيادة أعداد الطلبة وكل طالب يهمه الحصول علي فرص تعليمية أفضل ولأنه لا يجدها في قاعات المحاضرات يلجأ إلي الدروس الخصوصية, وهذا ماحدث مع ابني الطالب بكلية الطب والذي حتي التحاقه بها لم يكن يعرف الطريق إلي الدروس الخصوصية, ولكنه عندما التحق بالطب بدأت رحلته معها لأنه لا يستطيع أن يقف علي الميكرسكوب بسبب الأعداد الكثيرة.ويري الدكتور محسن خضر, أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس أن التعليم يعاني أمراضا كثيرة سواء علي مستوي المناهج الدراسية أم القائمين بالتدريس أم الدارسين أنفسهم إضافة إلي الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية التي تتم فيها العملية التعليمية, علاوة علي أن هناك مؤشرات عديدة تؤكد عجز النظام التربوي عن الارتقاء إلي مستوي التحديات التي تفرضها الثورة المعرفية والتقنية وتحديات العولمة وإذا كان التعليم أداة من أدوات العولمة فإن مسئولية التعليم علي امتصاص تأثيرات العولمة وتكييفها تبدو كبيرة, والمشكلة القائمة أن ما يتم القيام به من إصلاحات لا تخرج عن كونها إصلاحات وتعديلات وتجديدات جزئية وفنية محكومة بالنظرة الوظيفية التي ترفض الاعتراف بالحاجة إلي تغيير جذري في النسق للشعوب العربية, لذلك لابد من التطلع إلي ما هو أبعد من الإصلاح الجزئي, فالتعليم الجامعي يحتاج إلي تنمية شاملة مستدامة تحقق لها ما تسعي إليه من تغيير أعمق وفي هذا الإطار لابد أيضا من توسيع فضاء الحرية الأكاديمية حرية الأستاذ والطالب وحرية البحث العلمي باعتبار أن إصلاح الجامعات العربية لن يبدأ إلا بتحقيق حريتها الأكاديمية لتنطلق في مسيرتها بلا عراقيل وبدون هذه الإصلاحات الشاملة, فإن الجامعات في مصر والعالم العربي كله تتعرض لمستقبل غامض تحت ثقل الضغوط من مطالب الدولة وتغيرات سوق العمل ومشاكل الانغلاق الفكري عن مواجهة التحديات, لذلك لابد من التعامل مع التعليم الجامعي علي أنه قضية أمن قومي وربط الحق في التعليم بحقوق الإنسان والديمقراطية كإطار أوسع.ويضيف الدكتور السيد أبو الخير الخبير في القانون الدولي, صاحب العديد من الدراسات حول التعليم الجامعي باعتباره- وفقا لقوله- من الحقوق التي نصت جميع الإعلانات والاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان عليها, وعلي ضرورة تيسير حق التعليم العالي وجعله حقا من حقوق الإنسان التي لا تقبل المساومة, قائلا: يمكننا تحديد أزمات التعليم العالي العربي في انفصال التعليم العالي العربي عن الواقع ومشكلاته وضعف الاعتمادات المالية المخصصة للتعليم العالي العربي, وأيضا غياب الخطة المستقبلية والهدف من التعليم العالي العربي والتخبط في المرجعية للمناهج في التعليم العالي العربي.. ويمكننا تقديم الاقتراحات التالية لحل أزمات التعليم العالي العربي والتي تتمثل في ربط التعليم العالي العربي بالبيئة والواقع العربي ودراسته والعمل علي حل مشكلاته. وزيادة المخصصات المالية للتعليم العالي العربي وتوفير الأجهزة العلمية والمعملية لمؤسسات التعليم العالي. وكذلك جعل التعليم العالي العربي حكوميا حتي يرتبط بتحقيق الأهداف القومية العليا للأمة العربية وعدم التصريح للقطاع الخاص بالدخول إلي هذا المجال الحيوي لأن القطاع الخاص همه الربح والتعليم هدفه بناء الإنسان. علاوة علي رفع مرتبات ومكافآت العاملين في البحث العلمي, وتعيين أوائل الكليات في مراكز الأبحاث*
________________________________________________________________





