الفلسطينيون صيف سنة 2009.. من بؤس الراهن إلى متاهة القادم!

الخميس، أغسطس 06، 2009



الفلسطينيون صيف سنة 2009.. من بؤس الراهن إلى متاهة القادم!


د। عبد اللّطيــف الحنّـاشي العرب اونلاينالفلسطينيون هم جميعا ضحايا الحركة الصهيونية والنظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، ذاك النظام "المتواصل بأشكال جديدة ولكن بنفس القيم والمعايير" الذي قرّر تأسيس الكيان الصهيوني، والفلسطينيون هم ضحايا الأنظمة العربية، كذلك، سواء تلك القريبة من فلسطين "دول الطوق" أو البعيدة عنها جغرافيا. الأنظمة التي قامت بفعل فاعل، أو تلك التي تحررت واستقلت عن الاستعمار منذ أواخر الأربعينات أو قبل ذلك أو من بعده، ولكن، وقبل كل شيء، يظلّ الشعب الفلسطيني ضحية ممارسات قياداته ونخبه منذ فترة الانتداب إلى اليوم॥الفلسطينيون شعب واحد يملك جميع مقومات الأمة "بالمفهوم الغربي" الضرورية لتأسيس دولة خاصة به، غير أن النخبة الفلسطينية فوّتت على نفسها وعلى شعبها تأسيس الدولة في لحظة تاريخية ودولية خارقة... ونتيجة لقيام الكيان الصهيوني وممارسته لسياسة الترحيل المنظمة برزت وضعية فلسطينية تكاد تكون نادرة في عالم اليوم:فلسطينيون "هربوا" من البطش الصهيوني أو رحّلوا عنوة فلجأوا إلى الدول العربية القريبة منهم، وفلسطينيون تشبثوا بأرضهم وعاشوا في ظلّ الدولة الصهيونية في حين "ضمت" الأردن إليها الضفة الغربية وتحولت إلى وصيّة عليها وعلى سكانها، وكذا الأمر بالنسبة إلى قطاع غزة الذي أدارته السلطة المصرية... وفي الوقت الذي استمر وضع اللاجئين الفلسطينيين وسكان 48 على حاله تغيّـر وضع فلسطينيو غزة والضفة بعد أن احتلتهما القوات الإسرائيلية في حرب 1967 الأمر الذي ساعد الفلسطينيين على مضاعفة مقاومتهم للاحتلال بأشكال مختلفة بلغت الذروة في الانتفاضة الأولى "1987" التي أجبرت قوات الاحتلال على إيجاد مخارج للقضاء على الانتفاضة وإيقاف تمدّدها وتداعياتها المختلفة على الكيان الصهيوني واستغلت شَرَهَ القيادات الفلسطينية لبناء الدولة فمررت صفقة أسلو سنة 1993...كان هدف قيادة حركة فتح وخاصة الشهيد ياسر عرفات، إنقاذ المنظمة من الاندثار بعد أن فقدت حركة المقاومة قاعدة لبنان على إثر الغزو الإسرائيلي سنة 1982 وبعد انهيار النظام الرسمي العربي وسلسلة الانهيارات التي أصابت أنظمة أوروبا الشرقية الصديقة لحركة التحرير الفلسطيني. كان عرفات يطمح أن تسمح له العودة إلى القطاع والضفة لتحقيق الإنسحاب الإسرائيلي بينما كان هدف إسرائيل احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية وتدجينها وتفريغها من مضمونها التحرري ودفعها إلى اختزال مشروعها الوطني التحريري، إلى أدناه أي القبول بصيغة الحكم ذاتي... بعد أوسلو تغيّر وضع الفلسطينيين ووضع قضيتهم نحو الأسوأ. توقفت الحركة الوطنية الفلسطينية، التي ألهمت بنضالاتها النوعية شعوب العالم، عن أن تكون نموذجا ومثالا تَقتدي به الشعوب والمجموعات الراغبة في التحرر والانعتاق.. في الوقت الذي كسبت الصهيونية شرعية جديدة، إذ اعترفت بها الكثير من الدول الإفريقية والآسيوية التي كانت تقاطعها قبل أوسلو، كما أزالت هيئة الأمم أواخر سنة 1991 القانون الذي أقرته منذ سنة 1975 باعتبار الصهيونية أيديولوجية عنصرية...بعد أوسلو تضاعفت سيطرة الصهاينة على الأرض والمياه وتوسعت حركة الاستيطان عشرات المرات، وتوسعت مخططات التهويد في القدس وتم فصل المدينة عن باقي الأراضي الفلسطينية، وبعد أوسلو تحول الخلاف السياسي بين الفرقاء الفلسطينيين إلى الاقتتال بالسلاح من أجل السيطرة على سلطة وهمية وتضاعف عدد الشهداء والجرحى والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال "أكثر من 11 ألف سجين" وبعد أوسلو امتلأت سجون الضفة الغربية وغزة بالفلسطينيين أيضا لا بتهمة الخيانة والتعامل مع العدوّ ولكن بسبب مناهضة المسجونين لهذا الطرف السياسي أو ذاك...قبل أسلو كانت هناك سلطة فلسطينية متنقلة وكان لفتح سجونها التي ضمت مساجين "حقّ عام" وسياسيين أيضا من "المتمردين" على قيادة فتح أو المختلفين معها ولكن العدد كان محدودا... الآن نسمع عن الذين قُتلوا تحت التعذيب في غزة أو في الضفة من هذا الفصيل أو ذاك دون الحديث عن الذين قُتلوا غدرا بالرصاص.. لقد عرفت جميع حركات التحرر في العالم في مرحلة من مراحل نضالها وخاصة المفصلية منها خلافات وانشقاقات كان العدوّ يعمل على تأجيجها بطرق مختلفة وينتصر لهذا الطرف أو ذاك، وكانت أغلب قيادات حركات التحرر على وعي بتلك المخططات وتمكنت من الالتفاف عليها أو التقليل من فعاليتها، والقليل من حركات التحرر التي تمكن العدو من النجاح في شقّ صفوفها وتمكن من تغليب طرف على آخر وأوصله إلى السلطة في إطار صفقة مشبوهة... في الحالة الفلسطينية تبدو الأمور أكثر تعقيدا نظرا لطبيعة العدوّ ومشروعه العنصري الاستئصالي من ناحية، وخصوصية حركة التحرر الفلسطينية من ناحية أخرى.. ويبدو أن إسرائيل تمكنت حسب بعض الفلسطينيين من اختراق الحركة الوطنية الفلسطينية وتهشيم أسسها، وبعثرت أهدافها دون أن تقدم لجماعة أوسلو شيئا غير الأوهام... تلك الأوهام التي لا يصدقها، للأسف، قطاع واسع من الفلسطينيين والعرب.يبدو وضع الفلسطينيين صيف 2009 مأساويا فهم محاصرون في سجن كبير في الضفة "مليون ونصف فلسطيني" ويخضعون للقانون العسكري الإسرائيلي. أما في قطاع غزة فـ"مليون ونصف ساكن" يعيشون في معسكر اعتقال كبير فريد من نوعه لم يعرف له العالم المعاصر مثيلا، تحوّل فيه السكان إلى رهائن يعيشون على "كوبونات" مساعدات الإغاثة مع تفشي الفقر المدقع والبطالة... كما يعرف الفلسطينيون في الضفة، أكثر من غيرهم، أنهم يعيشون على إعانات وتبرعات تقدم لهم من هنا وهناك وخاصة من الرباعية الدولية.. وبذلك توحدت مأساة الفلسطينيين أينما كانوا.. إذ اصبحت وضعيتهم متشابهة في الضفة والقطاع وفي مناطق اللّجوء وإن بتفاوت نسبي، إذ يعيش الجميع تحت الحصار وعلى المساعدات التي تُقدم لهم بغض النظر عن الجهة المانحة. أما السلطة في رام الله فلا تملك غير الاسم و"الجاه" الزائف ومحاصرة حركة السكان والمناضلين الشرفاء بغض النظر عن خلفياتهم الايديولوجية.في ظلّ أوسلو تعزّزت وتزايدت عقلية المقاولة والمناولة عند الكثير من المقاومين الفلسطينيين بدل عقلية المقاومة والممانعة، واشتد التنافس والصراع على المناصب الوهمية..وفي ظلّ صفقة أوسلو، وما تولد عنها من حقائق جديدة، تزايد قرف الناس وإحباطهم، بل لنقل لامبالاتهم وخاصة في صفوف الشباب، هذه الفئة التي شكلت بمرور الزمن العمود الفقري للنضال الفلسطيني، غير أن عناصرها فقدوا احد أهم مبرّرات وجودهم في ظلّ سلطة أوسلو الوهمية وضاق بالشباب المكان وأخذ الكثير منهم يترك الوطن هائما إلى بلدان أخرى.وتشير بعض الاستطلاعات التي صدرت مؤخرا إلى أن عدد المهاجرين الفلسطينيين من الضفة الغربية "جمهورية دايتون" لوحدها قد بلغ أكثر 42 ألف شاب من حملة الشهادات الجامعية وذلك ما بين ماي/ أيار 2008 إلى ماي/ أيار 2009، ولو كانت معابر غزة البرية والبحرية مفتوحة لهاجر عدد أكبر من شباب غزة.. قد لا نستغرب وجود خطة منظمة من قبل الاحتلال وحلفائه من القنصليات الأجنبية هدفها حثّ الشباب الفلسطيني إلى الهجرة من أجل إفراغ الضفة الغربية من العناصر الشابة غير أن الوضع السياسي الفلسطيني والسلوك اليومي للمنظمات والقيادات والأجهزة القائمة ضاعفت بدورها من يأس الشباب وإحباطهم وشكّلت عوامل حافزة لهم لترك الوطن.. اليأس انتقل أيضا إلى تجمعات الفلسطينيين في مخيمات اللّجوء بعد أن شعروا بتخلي سلطة رام الله عنهم وأخذوا يشعرون بـ"اليُتْمِ" بعد أن توارت منظمة التحرير الفلسطينية عن الأنظار وفقدت وظيفتها النضالية وتحولت إلى شبه منظمة سريّة لا معنى لوجودها كما يُشيع الكثير من أبنائها...وبعد صفقة أوسلو تزايدت معاناة فلسطينيي 48 "نحو مليون ونصف ساكن" وهمومهم وخاصة بعد وصول حكومة اليمين واليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو إلى السلطة، تلك الحكومة التي أخذت تشن حرب استئصال ضد سكان البلاد الأصليين وهدم البيوت ومصادرة الأراضي وبيع أملاك اللاجئين وإصدار عشرات القوانين العنصرية والتحضير لترحيل سكان 48 إلى "الدولة الفلسطينية" حسب المفهوم الصهيوني في إطار التحضير لـ"يهودية الدولة"..وفي صيف 2009 الفلسطيني ينعقد مؤتمر حركة "فتح" في رام الله بالرغم من رفض قطاع واسع من كوادر التنظيم وقياداته لاختيار مكان انعقاد المؤتمر وزمانه باعتبار ظروف المدينة التي تعيش في ظلّ الاحتلال الذي يتحكّم في منافذها ومداخلها؛ ولا أحد يمنع إسرائيل من استغلال دخول بعض الكوادر "الوافدة من الخارج" لتصفية حسابها معهم دون اعتبار لما تعهّدت به... ينعقد المؤتمر السادس بعد طول انتظار "بعد عقدين من انعقاد المؤتمر الخامس في تونس"، في ظلّ ضغوطات دولية وصهيونية كبيرة واختناق سياسي بين حركتي حماس وفتح. أما وضع حركة فتح، ذات التاريخ العريق والنضالات العريضة المتميزة، فيبدو مترهّلا تشقه انقسامات حادة أكثر من أي وقت مضى.إنه فصل صيف فلسطيني قائض قد يحمل مفاجآت غير سارة سواء بالنسبة إلى حركة فتح أو الحركة الوطنية الفلسطينية أو القضية برمّتها، وقد يُدخلها في متاهات ليس بإمكان أحد تحديد أفقها وتداعياتها على مستقبل الشعب الفلسطيني بل مستقبل المنطقة ككل..


______________________________________________________________