كتب - محيي الدين سعيد: يتوزعون على عضوية 24 نقابة مهنية، بدأت خطوات تأسيس أولاها قبل ما يقارب قرناً من الزمان حين جرت الخطوات الأولى لتأسيس نقابة المحامين في عام 1912 .الكيان النقابي المصري تنازعته خلال الثلاثة عقود الأخيرة صدامات ساخنة مع الحكومات المتعاقبة تارة، وخلافات داخلية وصلت أحياناً إلى إشهار السلاح بين المتنازعين كما حدث في نقابة المحامين تارة أخرى ودعاوى قضائية مستمرة قادت إلى التجميد أحياناً والخضوع للحراسة القضائية أحياناً أخرى، ما أدى إلى أن يتلامس ذلك الكيان الضخم مع قضايا وطنية وقومية لوقت قصير، ثم سرعان ما يعود إلى الاستغراق في شأنه الداخلي . وبعد أن كانت لجان الحريات تتصدر العمل في مختلف النقابات المهنية في ما يتعلق بالتماسّ مع مختلف القضايا، باتت الكفة تميل لصالح تجمعات هي في أغلبها مكونة بعيداً من جالس تلك النقابات، وبرزت أسماء لتجمعات مثل “صحفيون بلا حقوق” و”أطباء بلا حقوق” و”مهندسون ضد الحراسة” و”جبهة الدفاع عن استقلال نقابة المحامين” وهي تجمعات يبدو واضحاً من مسمياتها أنها لا تنشغل إلا بقضايا داخلية في كل نقابة .تعاني النقابات المهنية المصرية في مجملها من عدد كبير من المشكلات وفي مقدمتها الحاجة إلى زيادة مواردها المالية، وتوفير فرص العمل لأعضائها، وتقديم الرعاية الصحية والاجتماعية لهم، وحماية استقلالها عن السلطة التنفيذية . كما يعاني كثير من النقابات من عدم إجراء انتخابات مجالسها منذ فترات طويلة تصل إلى 15 عاماً، بسبب استمرار العمل بالقانون 100 لسنة 1993 الذي يتحكم في تنظيم مجريات العملية الانتخابية في تلك النقابات .وتتضح الصورة بشكل أكبر عند الاقتراب من ملامح المشهد في أبرز التجمعات المهنية والممثلة في نقابات الصحافيين والمحامين والأطباء والمهندسين والتجاريين، وتبدو نقابة المحامين في صدارة المشهد النقابي الساخن انطلاقاً من تصاعد الأزمة بينها وبين الهيئات القضائية على خلفية اتهام اثنين من المحامين بطنطا بالاعتداء على مسؤول بالنيابة وصدور حكم بحبس المحامين لمدة خمس سنوات، ما أشعل ثورة غضب في أوساط المحامين الذين تقارب أعدادهم النصف مليون على مستوى الجمهورية، وتمثلت أبرز مظاهر ذلك الغضب في إعلان الإضراب العام عن العمل أمام المحاكم على اختلاف درجاتها على مستوى الجمهورية إلى جانب تنظيم الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية بمقر النقابة العامة ومقار النقابات الفرعية وفي مجمعات المحاكم بالجمهورية وأمام دار القضاء العالي والإعداد لمسيرة تضم مائة ألف محام وتستهدف الوصول إلى قصر رئاسة الجمهورية بمنطقة عابدين بوسط القاهرة، لإعلان احتجاج المحامين على حبس زميليهم، إضافة إلى التهديد برفع الأمر إلى المنظمات الدولية المعنية بشؤون القضاء والمحاماة .ولم يكن الصراع الذي اندلع مع القضاة هو الشاغل الوحيد لنقابة المحامين فقد سبقه وتوازى معه في بعض اللحظات صراع داخل النقابة وصل إلى جمع مئات التوقيعات على طلب بعقد جمعية عمومية طارئة لسحب الثقة من النقيب حمدي خليفة ومجلس النقابة، وهي حملة يتهم خليفة منافسه سامح عاشور نقيب المحامين السابق بالوقوف خلفها لعرقلة عمل المجلس الذي يرى خليفة أنه قدم العديد من الإنجازات للمحامين خلال فترة عمله القصيرة، في ما يقول معارضوه إن إنجازات المجلس لم تتعد حدود الوعود “على الورق”، مؤكدين أن المجلس الحالي واصل مسيرة سلفه في الابتعاد بالنقابة عن الاهتمام بالقضايا الوطنية والقومية، خاصة أن الأغلبية من أعضائه تنتمي إلى الحزب الوطني الحاكم .أما الصراع بين المحامين والقضاة فيراه مراقبون مستقلون نتيجة طبيعية لتجاهل مؤسسات العدالة في مصر تطبيق القانون ووضع نظام إجرائي يتيحه قانونا الإجراءات الجنائية والعقوبات بما يساعد المحامين على القيام بدورهم في تقديم الشكاوى أو تقديم طلبات لرجال النيابة في ما يخص دعاواهم أو المحاضر الخاصة بموكليهم، وفي ظل تزايد عدد الدعاوى القضائية ومحدودية أعداد رجال النيابة والقضاة، يحدث الصدام يومياً بين المحامين من جانب ورجال النيابة والقضاة من جانب آخر في ساحات المحاكم .ويقول شريف هلالي مدير المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان إن المحامين ينتابهم شعور بأنهم الأضعف في سلسلة الأطراف ذات الصلة بالنظام القضائي والعدالة، لأنهم يشعرون بأنهم بلا سلطات إزاء كل من ضباط الشرطة ورجال النيابة والقضاة، وحتى أمام موظفي المحاكم خاصة أمناء السر والمحضرين، وهم الذين يلعبون دوراً مهماً في عملية العدالة في مصر . وتبقى الأوضاع في نقابة المحامين مرشحة لمزيد من التصعيد والتوتر سواء في ما يتعلق بالأزمة مع القضاة أو الصراع الداخلي فيها، حيث ستشهد الفترة المقبلة انتقال الجانب الأخير من الصراع الداخلي إلى ساحة القضاء مع وجود بلاغات متبادلة عن إهدار أموال النقابة في عهد المجلس السابق برئاسة سامح عاشور والحالي برئاسة حمدي خليفة .الأوضاع في نقابة الصحافيين الملاصقة لنقابة المحامين لا تقل سخونة، فالجماعة الصحافية المصرية لا تزال تبحث عن تنفيذ وعد رئاسي صدر قبل نحو ست سنوات بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر ونقله النقيب السابق جلال عارف إلى جموع الصحافيين في افتتاح أعمال المؤتمر الرابع للصحافيين عام ،2004 وهو الوعد الذي نجحت الحكومة في الالتفاف عليه وإجهاض تنفيذه، في ما تخرج بين الحين والآخر بمحاولات لزيادة القيود المفروضة على حرية الصحافة والصحافيين .وشغل مجلس النقابة الحالي برئاسة النقيب الحكومي مكرم محمد أحمد الصحافيين لفترة طويلة بمحاولاته المستميتة لمنع التظاهر على سلالم النقابة بوسط القاهرة سواء للصحافيين أو غيرهم من نشطاء القوى السياسية والحركات الاحتجاجية، حيث تحولت النقابة في وقت من الأوقات إلى قبلة للراغبين في إعلان احتجاجاتهم أو رفع مظالمهم من تعسف إداري أو التظاهر دعماً لقضايا الحريات . ويشكو جموع الصحافيين من تجاهل الصحافيين لقضاياهم الخاصة بتحسين أوضاعهم المعيشية وإقرار حد أدنى للأجور وحمايتهم من الإجراءات التعسفية لإدارات الصحف بعد أن تزايدت حالات الفصل من العمل وإغلاق بعض الصحف وتشريد العاملين فيها .وتعطي الأوضاع في نقابة المهندسين صورة واضحة للصراع بين الحكومة من جانب وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر، بعد أن سيطرت الأخيرة في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي على ستة من أكبر وأهم النقابات المهنية المصرية وهي نقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة وأطباء الأسنان والمحامين والعلميين، بالإضافة إلى وجودهم بصور مختلفة في نقابات الصحافيين والمعلمين والبيطريين والتجاريين .ونقابة المهندسين التي تضم في عضويتها نحو 300 ألف مهندس، تديرها لجان نقابية منذ نحو 16 عاماً حين تم فرض الحراسة القضائية عليها بدعوى وجود مخالفات مالية وإدارية نسبت إلى مجلسها السابق الذي ضم في عضويته أغلبية تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وطوال الستة عشر عاماً الماضية حصل المهندسون على عشرات من الأحكام القضائية بإجراء الانتخابات بالنقابة وإنهاء الحراسة القضائية وهي أحكام تجاهلتها جميعاً الجهات الحكومية، ما أدى إلى تنظيم المهندسين عشرات من الاعتصامات والمظاهرات احتجاجا على استمرار فرض الوصاية الحكومية والقضائية على نقابتهم وتهديدهم بتنظيم إضراب واسع عن العمل خلال الشهر المقبل والدخول في اعتصام مفتوح بمقر النقابة لحين الاستجابة لمطالبهم .
ويشكو المهندسون من تدهور أوضاعهم المعيشية والمهنية وتراجع دور نقابتهم في المشروعات القومية المختلفة، ما أدى إلى انتشار البطالة في صفوفهم وتدهور الخدمات الصحية والاجتماعية والعلمية المقدمة إليهم عبر نقابتهم، ويقول المهندس عبد العزيز الحسيني القيادي بتجمع “مهندسون ضد الحراسة” إن الحراسة القضائية أفقدت نقابة المهندسين دورها في الارتقاء بالدور المهني لأعضائها، كما غاب دور النقابة في تقديم خدمات لأعضائها سواء كانت صحية أم اجتماعية ورعاية مصالح أعضائها، مشيراً إلى نقابة المهندسين وبحكم القانون هي استشاري للدولة في المشاريع الكبرى، وهو ما افتقدته النقابة طوال السنوات الماضية، إضافة إلى تراجع تمثيل مصر في الكيانات العربية والدولية الخاصة بالمهندسين نتيجة عدم وجود مجلس منتخب على رأس النقابة .الحال لا تختلف كثيراً في نقابات الأطباء والتجاريين والصيادلة وأطباء الأسنان، فجميعها تعاني من تجميد إجراء الانتخابات بها منذ منتصف التسعينات تقريباً، وبعد صدور قانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة ،1993 حتى أن نقابة الأطباء تشكو من أن مجلس إدارتها الموجود منذ عام 1994 هاجر ما يقرب من ثلث أعضائه إلى خارج البلاد وتوفي الثلث الثاني، في ما بقي الثلث الأخير مقسماً بين أعضاء يدخلون السجن ويخرجون منه بين الحين والآخر وهم من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، وأعضاء آخرين يؤدون عملهم الروتيني، ما أدى إلى تصاعد شكاوى أعضاء النقابة واحتجاجاتهم ضد تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، ونفس الأمر يعاني منه أعضاء نقابة التجاريين في ما يتعلق بتدهور أجورهم وانتشار البطالة بين صفوفهم .وتتهم الحكومة النقابات المهنية بتجاوز دورها المهني إلى الاشتباك مع القضايا السياسية المحيطة، وهو اتهام يلقي انتقاداً واسعاً بين أعضاء النقابات ومحللين سياسيين يرون استحالة الفصل بين المهني والسياسي داخل التجمعات المهنية، ويقول الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي، إن النقابات المهنية ساهمت بدور كبير في الحياة العامة المصرية، وامتد دورها ليشمل كثيراً من القضايا المتعلقة بالسياسات العامة وقضايا السياسة الخارجية على السواء، كما امتد دورها إلى قضايا ذات طابع خدمي، وأقامت نقابتا الأطباء والمهندسين في وقت من الأوقات معارض لبيع السلع المعمرة والضرورية للأعضاء، مؤكداً أن النقابات المهنية في مصر تشكل بيئة وسيطة بين العمل السياسي الحزبي المباشر، وبين النشاط الاجتماعي والخدمي، و”إذا كان من الصعب اعتبارها مؤسسات حزبية، فإن من الصعب أيضاً النظر إليها على أنها نقابات مهنية تماماً لا علاقة لها بالسياسة” .ويضيف، أنه على رغم محاولة بعض النقابات لعب دور سياسي بدا في بعض الأحيان وكأنه بديل لدور الأحزاب السياسية، فإنه من الصعب النظر إليها باعتبارها جماعة سياسية فقط، فقد لعبت أدواراً مركبة ذات بعد اقتصادي ومهني وسياسي وخدمي، موضحا أن عملية ربط النقابات المهنية بالسياسة قد بدأت عقب قيام ثورة يوليو ،1952 حيث ربطت الدولة العمل النقابي والمهني بالاختيارات السياسية للنظام القائم وبالتنظيم السياسي الواحد في ذلك الوقت “الاتحاد الاشتراكي العربي”، كما انتقل هذا الربط منذ السبعينات من دور الدولة إلى دور التيارات السياسية المعارضة سواء كانت الإسلامية أو اليسارية أو الليبرالية، مشدداً أنه سيظل هناك دور للنقابات المهنية في عملية الارتقاء المهني لأعضائها، ودور سياسي وليس حزبياً يمكن أن يركز على قضايا التوافق العام في عملية الإصلاح من ديمقراطية سياسية واحترام حقوق الإنسان وتداول سلمي للسلطة، ودعم القضايا العربية العادلة ...الخليج
تفاؤل صحفى من الأحرار
members
عدد زوار الموقع
القائمة البريدية
اختر لغتك المفضلة
النقابات في مصر بين المطرقة والسندان
الجمعة، يوليو 02، 2010
===================
