مصر 'أم الدنيا ملخبطة' بفوضى تنبئ بتمرد اجتماعي خطير

الأربعاء، يونيو 08، 2011


"الدنيا ملخبطة" بهذه الجملة الدارجة يوصّف المصريون المشهد العام للساحة المصرية على اختلاف مستوياتها من سياسية واجتماعية واقتصادية، حيث دخلت إلى جانب الانفلات الأمني انفلاتات عدة منها السياسي والاجتماعي والديني والثقافي، بما لا يتيح فرصة للتأمل والتقييم.ويتشكل هذا المشهد بعد التظاهرات التي خرجت منددة بمحاولات الالتفاف للعفو عن الرئيس السابق حسني مبارك ورموز حكمه، ثم تظاهرات جمعة الغضب 27 مايو/ايار التي طالبت بالإسراع في تقديم رموز الفساد إلى المحكمة، وإسقاط بقايا النظام السابق داخل مؤسسات وهيئات الدولة، ووقف المحاكم العسكرية، وإقالة عدد من رموز الوزارة الحالية وعلى رأسهم يحيي الجمل نائب رئيس الوزراء وخروج تظاهرات تأييدا للمجلس العسكري، نتيجة الهجوم عليه لتقاعسه في محاكمة مبارك ورموز حكمه وانفراده بإصدار قانون مباشرة الحقوق السياسية متجاهلا الأحزاب والقوى السياسية.
يوميا تشهد مصر تظاهرات فئوية وإغلاق طرق وإضراب ومشاحنات بين المواطنين والشرطة، آخرها حرق قسم شرطة الأزبكية بوسط القاهرة نتيجة مقتل سائق داخل القسم تحت وطأة التعذيب، وإضراب سائقي الميكروباص عن العمل في أحد أكبر شوارع محافظة الجيزة وإغلاق الشارع، وقع أهالي مدينة العياط طريق القطار إلى جنوب مصر اعتراضا على إقامة محطة شبكة محمول، وأخيرا قيام أسر شهداء ثورة 25 يناير/كانون الثاني بالتظاهر أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون وإغلاق طريق الكورنيش مطالبين بمحاكمة قتلة أبنائهم.هذه المشهد يراه ويوصّفه المصريين بـ"الملخبط"، يزيده ارتباكا وغموضا والتباسا عمليات ما يسمونه أسلوب "جس النبض" الذي يتم اللجوء إليه لقياس الرأي العام إزاء مثلا مصالحة رجال الأعمال من رموز النظام السابق وبعض مسؤوليه، فضلا عن مبارك وأسرته، ويواكب ذلك حجم غضب متصاعد في الشارع لا يخفى على أحد نتيجة ارتفاع الأسعار وأزمات السولار والخبز والغاز، ليشتبك الخاص مع العام ليهدد بتجدد الثورة.فإذا تم إلى جانب ذلك كله إضافة الحراك الإسلامي ممثلا في الإخوان المسلمين وجماعات السلفيين وغيرهم، والصدام مع الأقباط ومحاولات الوقيعة بين الجانبين والتي هي أيضا في حالة تصعيد يصعب معرفة خط سيره وإلى ماذا سيؤدي، تزداد الأمور تعقيدا والتباسا.رجل الشارع كما رأينا وتحاورنا معه يعيش حالة أشبه بفقدان التوازن ويمتلئ بشعور عارم بالإحباط واليأس والغضب والعنف، لا يرى مصداقية فيما يتخذ من قرارات وما يذاع من أخبار، وقد جاءت وقائع العفو عن سوزان مبارك حرم الرئيس السابق والتقاعس عن محاكمة مبارك وشيوع محاولات تهريبه، لتدفعه إلى ما يشبه الجنون.وليس في هذا مبالغة إذا توقفنا عند مشاهد لحوارات بين مواطنين على المقاهي والأندية والأتوبيسات، والتي اعتبرت أن ما يجري "ضحك على الدقون"، وتساؤل: هل يعقل أن يفرج مثلا عن سوزان مبارك مقابل 24 مليون هي ملك الشعب وفيلا بمليونين وهي التي استنزفت ثروات مصر على مدار أكثر من ثلاثين عاما.هل يعقل ألا يحاكم القتلة حتى الآن ومن حكم عليه مجرد أمين شرطة هارب، وهل يعقل هذا التساهل مع الرئيس السابق وهناك شهادات حية لأناس عايشوه تؤكد أنه استغل نفوذه في الاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على ثروات المصريين، لماذا تأجيل المحاكمات على الرغم من ثبوت أدلة الاتهام؟تساؤلات تحمل أجوبة وتفسيرات وتأويلات كثيرة يضج بها الرأي العام، وتحمل اتهامات صريحة بالتلاعب، تنبئ بتجدد الثورة، لكن هذه المرة لن تكون ثورة شباب واع ومثقف وحضاري، حيث ينتظر أن تدخل فيها قطاعات غير منضبطة فكريا ولا سياسيا يحركها الغضب فقط.هذا المشهد لا يبتعد كثيرا عن المشهد السياسي، فالخارطة السياسية هي الخارطة الأكثر تأثيرا على مجمل ما يجري داخل المشهد في مصر، وهي لا تختلف عن الشارع في غموضها وضبابيتها بل وتلوثها بالتناقضات، فالإخوان المسلمون مثلا يقومون الآن بحملة تمتد في كل شوارع مصر، حيث ينزل شيوخها وقياداتها للحوار في الأحياء مع المواطنين من خلال سرادقات كبرى، وتعلن مواعيد اللقاءات وتوزع يافطاتها في شوارع هذا الحي أو غيره، في الوقت الذي مثلا تشهد فيه أحزاب كالوفد والتجمع انقسامات داخلية، نتيجة إصرار ورثة مبارك فيها على الاستمرار والإطاحة بالمخالفين.حتى هؤلاء المرشحين للرئاسة يتبادلون الاتهامات ويقذفون بعضهم البعض، لدرجة أن د.عبد الله الأشعل رأى أن عمرو موسى "خدم مبارك خدمة العبد"، وخرج مؤتمر الوفاق الوطني باتهامات غريبة للدكتور محمد البرادعي، وهكذا لا يختلف المشهد السياسي عن مشهد النخب عن مشهد الشارع.الباحث والكاتب د. عمرو حمزاوي كبير الباحثين بمعهد كارنيغي، قسَمه المشهد السياسي إلى أربعة فصائل، "فصيل ليبرالي ويعيبه التفتت والانقسام بين الأحزاب التي تقع في هذا النطاق، فضلاً عن سوء سمعة الفكر، فالسائد عند العامة من الشعب المصري أن الليبرالية تتنافي مع الدين الإسلامي، والفصيل الثاني هو التنظيمات الوسطية مثل "حزب الوسط"، وتفتقد للعمل التنظيمي الذي يكون السمة الأولى للمؤسسة غير الربحية".واعتبره د. حمزاوي الفصيل الثالث الموجود على الساحة والممثل في الإخوان المسلمين والتيار السلفي من أقوى التيارات على الساحة، و"سيمتلك أكثر من 40% من مقاعد البرلمان القادم، وسيكون له بصمة قوية في تحديد دستور مصر القادم".الباحث الأكاديمي والكاتب محمد حلمي عبد الوهاب أستاذ الفلسفة السياسية رأى أنه من الصعب أن يكون لدى أحد قولا فصلا "المشهد كله من أوله لآخره ليس فيه قدر ولو بسيط من اليقينية فيه وفي تفصيلاته".
ويرى أن المجلس العسكري ليس وحده الذي يستخدم أسلوب جس النبض، حيث يستخدمه الإخوان المسلمون، استخدموه في مسألة انتخابات مجلس الشعب والانتخابات الرئاسية، "جس النبض أن تطرح فكرة معينة ثم ترصد ردود الفعل على هذه الفكرة وبناء عليه تبدأ العمل".ويعلق د. محمد حلمي على ما يقوم به السلفيون باعتبار ما يقومون به يملأ المشهد بالتوتر "عندما قامت الثورة إذا بهم يخرجون بزخم كبير جدا وبانتقائية شديدة جدا، يعني لم يخرجوا لحماية الثورة والدعوة لمطالبها، وإنما خرجوا في قضايا جزئية بسيطة جدا خاصة بمسألة كاميليا وعودة كاميليا، لذلك خرجوا بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت وهم الذين لم يشاركوا في الثورة ومن شارك منهم شارك كأفراد وبعض القيادات البسيطة يضع علامات استفهام كبيرة جدا.
ويضيف "لنبتعد عن نظرية المؤامرة وأن هناك قوة خارجية تدعمهم ماليا والانسياق وراء الحملات الإعلامية التي كثيرا ما تكون مشوهة لدور السلفيين والجماعات السلفية، ولكن لنقل أن التوقيت غير مناسب اطلاقا وأن طبيعة القضايا التي يخرج السلفيون من أجلها والدفاع عنها غير مناسبة، فمسألة إسلام كاميليا أو عدم إسلامها، الوطن أهم من أن يدخل أو يخرج شخص إلى الإسلام"।ويرصد حلمي إزدواجية معاييرهم "أيضا لدى السلفيين نوع من المعايير المزدوجة بمعنى أنهم يستخدمون التظاهر وهو آلية من آليات العمل الديمقراطي وفي نفس الوقت يخرج المتحدث الرسمي لهم فيقول إن الديمقراطية حرام وليست من الشريعة، فكيف له أن يحرم شيء ثم يستفيد من آلياته، هناك رهان في النهاية على أن لجوء السلفيين إلى هذه الآليات الديمقراطية مع الوقت تجعلهم يؤمنون أو يتنازلون عن أفكارهم الخاصة المتعلقة بالديمقراطية والأنظمة الغربية، لكن هذا الرهان صعب، لأن تحركاتهم تتم من منطلق عقدي أكثر من وطني أو سياسي أو فكري"।ويرى حلمي أن المشهد تحديدا فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية شبيه بما يحدث في أميركا، فاستطلاعات الرأي تأخذ بمرشح إلى السماء ثم بعد فترة تنزله إلى الأرض، وقد تكون هذه الاستطلاعات جزءا من لعبة انتقائية، "من يجزم بفوز مرشح بعينه من المرشحين الحاليين برئاسة مصر مثله من هؤلاء الذي ينفون صلاحية كل المرشحين لرئاسة مصر".ويرى الباحث السياسي ياسين محمود أن ضبابية المشهد عامة في مصر تؤكد على وجود اختلافات حادة داخل دوائر صنع القرار لذا يتم اللجوء إلى أسلوب جس النبض، وهو أسلوب لا يكشف الوجه الحقيقي بكل تفاصيله، ويحمل الكثير من التلاعب بمشاعر وأعصاب الناس ويدفع بهم إلى ما تراه من فوضى وعشوائية."هو برأيي أسلوب خطر ويمكن أن تؤدي نتائجه إلى عواقب وخيمة، خاصة أن الثورة لم يمض عليها أكثر من أربعة أشهر، ودم الشهداء لم يجف بعد، ولم تتم محاكمة أي شخص ممن قتلوا الثوار لا في القاهرة ولا في أي محافظة على مستوى مصر".ويحذر محمود من أن المشهد الاجتماعي خطر جدا، "بعيدا عن محاولات الوقيعة بين المسلمين والأقباط، فهذه مرئية ومرصودة، لكن ما خفي هم الأخطر، حيث بدأ العنف يجتاح العلاقات الاجتماعية وسلوكيات الأفراد في ظل غياب الأمن، فمجرد اختلافك على الأجرة مع سائق التاكسي قد يحمله على قتلك، وسوف تكشف الأيام حجم القتلى في المناطق والأحياء العشوائية بسبب شجارات بسيطة بين أسر أو مجموعة من الشباب".ويضيف أن المتضررين اقتصاديا من تردي الأوضاع واستمرار المظاهرات والاعتصامات والانفلات الأمني يلجأون لتصرفات شخصية كما حدث مع معتصمي ماسبيرو حين خرج عليهم سائقو الميكروباص المتضررين من غلق الكورنيش وهكذا.ويلفت إلى أن ضبابية المشهد عامة تفتح الباب على مصراعيه أمام السقوط في مستنقع العنف، "الأحزاب القائمة لم تكن ذات حضور في الشارع قبل الثورة ولا بعدها، ولذا تجد أن الأغلبية غير ذات توجه سياسي وتؤمن بنظرية المؤامرة عليها وعلى أقواتها ومصائرها وتحكم مجمل تصرفاتها الشائعات، وهذه أمور تشكل خطرا حقيقيا في ظل غياب الشفافية والصراحة واللعب بجس النبض".وخلص ياسين محمود إلى "إن ما تحتاجه مصر الآن هو توثيق المصداقية بين الشعب من جهة والمجلس العسكري والحكومة،وهذه المصداقية تحتاج محاكمة جدية للفاسدين والمتربحين من النظام السابق بمن فيهم رأسه، ومحاربة رموزه الذين لا يزالون القائمين على العديد من مؤسسات الدولة وقطع أيديهم وألسنتهم الفاسدة، والعمل على الخروج بأمان وكفاءة من المرحلة الانتقالية"। ميدل ايست اونلاين