إعداد: سامي مجدي-مصراوى- نشرت مجلة "الايكونوميست" البريطانية في عددها الصادر الخميس الماضي تقريراً مطولاً تحدثت فيه عن السجال الدبلوماسي الدائر بين الفلسطينيين "الأكثر اعتدالا" والإسرائيليين، ورغبة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانضمام لهذا السجال وفق شروطها.
وقال التقرير إن خالد مشعل - زعيم حماس التي تشتهر في الغرب واسرائيل بأنها عصابة من الإرهابيين الراغبين في إلحاق الدمار بالدولة اليهودية "إسرائيل" – يبدو عليه الهدوء وكأنه يقف في وادٍ بعيد عن القضية، في منزله الآمن بالعاصمة السورية دمشق، ونقلت قول مشعل أن " العالم سيتعامل معنا ليس لرغبته في ذلك، بل لأنه لابد من أن يتعامل معنا.. حماس منظمة معتدلة ومفتوحة وعلى أتم استعداد للتباحث مع أي أحد.. حماس اندمجت لتصير لاعب هام وواضح في المنطقة لا يمكن تجاهله".
وكشف التقرير عن أن عدد لا بأس به من السياسيين والدبلوماسيين والجنود الغربيين - ليس من بينهم من ينتمي إلى الإدارة الأمريكية ولا الاتحاد الأوربي ولا إسرائيل- بدءوا يتعاطون من حماس بناء على أساس أن حماس لاعب ذو ثقل في الصراع ويجب أن تتضمنه مفاوضات السلام؛ وأشار التقرير أن مشعل الملتحي "54 عاماً" يبدو عليه الهدوء والطمأنينة ويعتقد أن الوقت في صالحه، ويتعامل من منظور أنه هو المنتصر.. بالفعل ظفرت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في 2006 وحدث عليها نزاع، ويكشف التقرير عن أن حماس تعتقد أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن زعيم حركة فتح ما هو إلا رمز لمرحلة انتقالية.
وألمح التقرير إلى رغبة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في إدخال حماس في "المعترك الدبلوماسي" وإن كان غالبية الإسرائيليين يرون أن حماس تريد إلقاءهم في البحر، وأنهم سيجاهدون كثيراً لمسامحتها على عشرات القنابل والهجمات التي شنها جنود – في أغلب الأحيان يفجرون أنفسهم - الحركة على مدنهم أثناء وبعد الانتفاضة فيما بين عامي 2000 و 2005 وأسفرت عن سقوط مئات القتلى من المدنيين والجنود الإسرائيليين، مؤكداً أن حماس ما زالت في معزل عن عملية المفاوضات في الوقت الذي يجاهد فيه مفاوضي فتح لإحراز تقدم ملموس في عملية السلام.
وتحدث التقرير أنه بعد ثلاثة أشهر من لقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض وهو اللقاء الذي وصف بأنه الأبرد بين رئيس أمريكي وقائد إسرائيلي منذ قيام الدولة العبرية ، أكد أوباما - خلال زيارة نتنياهو للبيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي - على التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل وعدم السماح بانهيارها حتى في ظل دعمها الضعيف لردع إسرائيل نووياً، بعد.
وتطرق التقرير لتلميحات نتتنياهو أنه "على استعداد للمخاطرة من أجل السلام" وأنه يخطو خطوات مركزة لإحداث تقارب في المباحثات الغير مباشرة بين حكومته والفلسطينيين "المعتدلين" للمضي نحو المباحثات المباشرة أملاً أن تقود لتأسيس دولة فلسطينية جنب إلى جنب مع نظيرتها الإسرائيلية. وأن لم تظهر في الأفق أي إشارات تدل على أن نتنياهو مصمم بالفعل على عقد صفقة في هذا الشأن.
ولا يرغب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن – الذي لاقى حفاوة وترحيب بالغ من قبل الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلال الزيارة التي قام بها لواشنطن منذ شهر مضى- في أن تنضم حماس لطاولة المفاوضات عاجلاً أو أجلاً، وأشار التقرير أن الحركتين مازالا في شقاق وفُرقَة منذ الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي ظفرت بها حماس في 2006 بعام ونصف، وهو ما أسفر عن طرد حماس لأتباع عباس الفتحاويين من قطاع غزة.
وأشار التقرير إلى أنه منذ ذلك الحين تراجعت فتح للخلف، لان إسرائيل التي طالما وجهت إليها انتقادات لاذعة من غالبية دول العالم لمنعها المساعدات عن الأراضي المحتلة، وآخرها الاعتداء الدامي على قافلة أسطول الحرية من قبل قوات البحرية الإسرائيلية، وهو ما جعل الضوء يسلط على المعاناة التي يعيشها الغزيين وبالتالي حماس التي تتحكم في القطاع.
وكشف التقرير عن أن الدول العربية الأكثر تأييدا للغرب ومتدخلة في القضية على رأسها مصر التي تؤيد حزب فتح وإبعاد حماس عن لعبة المفاوضات، فلعدة سنوات وعلى نحو مخالف للواقع تحاول الحكومة المصرية تقريب وجهات النظر بين حماس وفتح، لكنها في الحقيقة "تحتقر" حماس التي هي في الأصل فرع منبثق من جماعة الإخوان المسلمين، الجناح المعارض للنظام المصري والرئيس حسني مبارك.
في هذه الأثناء تقف حماس على الجانبً في انتظار أي زلة تحدث في المحادثات، رغم تأكيدات مسئولي الشرق الأوسط في إدارة أوباما الموحية بالأمل.. ويُبقي المبعوث الأمريكي للشرف الأوسط جورج ميتشل على أوراقه في جعبته وإن لم تشر تحقيق أية مكاسب، ويقول الرئيس الفلسطيني محمود عباس - يصر على أن اكبر قضيتين هما إعادة ترسيم حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، وتنظيم مسألة الأمن التي يجب أن يتم التعاطي معها أولاً- إن المحادثات ليس لها مكان هنا الآن.
ويهتم الفلسطينيين بأن يمدد نتنياهو تجميد البناء في المستوطنات في الضفة الغربية بعد انقضاء مدة العشرة اشهر التي تحددت في السابق في سبتمبر الماضي، وهو ما يرفضه نتنياهو بشدة ويصر على مواصلة البناء في القدس الشرقية التي يعتبرها الفلسطينيين عاصمة دولتهم المستقبلية.
وقال التقرير إن تعنت نتنياهو ورفضه تجميد البناء في المستوطنات أدى لغضب الرئيس الأمريكي باراك أوباما وظهر هذا جلياً في مقابلته الأخيرة لنتنياهو التي اتسمت بالبرود، واجتمع أوباما بنتنياهو الأسبوع الماضي في واشنطن وظهر أوباما يضع نصب عينيه انتخابات الكونجرس التي ستجري في نوفمبر القادم، والاتهامات التي يوجهها له خصومه الجمهوريين بأنه يتعامل بقسوة مع إسرائيل.
وأكد التقرير أن مشعل ينتظر فشل المحادثات أملاً في موجة جديدة من الدعاوي الدبلوماسية لتضمين حماس مستقبلاً في المفاوضات، حتى إذا لم تقر بإسرائيل أولا ، وتقول المجلة أن مشعل ينظر بتلذذ لحالة الوهن والضعف الذي أصاب الدبلوماسية المصرية ، والترددات التي توحي بقدوم السعودية لتولي دفة القيادة في المنطقة، وكذلك يترقب عن كثب تركيا والتواتر الحاصل بينها وبين إسرائيل بعد حادث الاعتداء على قافلة أسطول الحرية الذي راح ضحيته 9 أتراك، والصمت المتكرر لسوريا وإيران على استفزازات إسرائيل، وكلاهما يدعم حماس.
وأشار أيضا أن مشعل يتلذذ بالإضعافَ الظاهرَ لأمريكا، وتخبطها في أفغانستان وإخفاقها في تَسكين العراق ويقول مسئول الشؤون الخارجية في حماس أسامة حمدان ضاحكا "هم لا يستطيعون حتى التعامل مع القراصنة الصوماليين".
ويؤكد مشعل على العدد المتنامي من الأمريكيين حتى الغير مسئولين في الإدارة الأمريكية الذين يرغبون في إقصائه، ويقول" المسئولين الأمريكيين والأوربيين يتقهقرون للخلف (من التباحث مع حماس) وهذا يشكل عبء عليهم اكبر منا. العالم لابد أن يتعاطى معنا، إن لم يكن اليوم فغدا، داخلياً الاتحاد الأوربي يعرف انه لابد من الاجتماع مع حماس ؛ فالسياسة الحالية تمثل عبء على الأوربيين".
ويشير مشعل أيضا إلى الانشقاق الحاصل بين رباعية صنع السلام التي وضعت شروط للتعاطي مع حماس من أولها الاعتراف بدولة إسرائيل. إلا أن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أجرى مباحثات مؤخراً مع مشعل، وينوي تعزيز العلاقات بين حماس وروسيا.
الدجاجة والبيضة:
ربما يكون هناك تفكير يوحي بالأمل في بعض من هذا، فبينما توسم مشعل خيرا في التقارب التركي تجاه حماس مؤخراً، مازالت إسرائيل تربطها علاقات وثيقة وقوية مع حكومة أنقرة رغم الشجار الذي حصل مؤخراً، ويبدوا الأوربيون أقل إصرارا تجاه اعتراف حماس بإسرائيل قبل أن تنظم إلى الشجار الدبلوماسي. . وتشير حماس ضمنياً إلى أنَّ اعترافها بإسرائيل قد يأتي في نهايةِ المفاوضات، وليس في بدايته. وكرّرَ مشعل في العديد مِنْ الأوقات في السَنَوات القليلة الماضية بأنّه يقبل بحل دولتين يقومان جنباً إلى جنب وفق ترسيم الحدود قبل حرب 1967.. "أعطينَا إشاراتَ إيجابيةَ بأننا مستعدّون للتعاطي بواقعيةَ وبشكل براجماتي مع الوضع الراهن".
ويؤكد مشعل مراراً وتكراراً على "وثيقة المصالحةِ الوطنيةِ" التي اتفق عليها سجناء فتح وحماس في السجون الإسرائيلية في 2006 " - يبلغ عددهم 6300 سجين ومازالوا يتضاعفون - واستقر سجناء الجانبين على الدعوة لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود ما قبل حرب 1967 ، وهو ما يناقض دستور حماس الذي يطالب بدولة فلسطينية على حدود ما قبل 1948 من ضمنها الأراضي التي تسمى حاليا إسرائيل.
والشيء الآخر الذي يقلل من فرص انضمام حماس للمفاوضات هو الإصرار على عودة اللاجئين أو ما يسمى بـ"حق العودة" لأرضهم ومنازلهم التي فقدوها بعد تأسيس إسرائيل. ومشعل ما زال مصراً على رف إنكار دستورَ حماس، ويرفض التعامل معه على انه وثيقة قديمة، وضمنياً توحي النتيجة أن الوثيقة تبدو مفيدة كورقة مساومة.
وسيكون من الصعب إقناع الإسرائيليين ، لكن مشعل يبدو حذرا بشكل مبالغ فيه فيما يخص التنازلات التي قد تكون غير متبادلة.. وتتمحور وجهة نظر مشعل أن عباس وفتح أقدما على ذلك بتردد وذلة، ويقول "علمتنا تجربة مفاوضات منظمة التحرير الفلسطينية الماضية".. ويضيف مشيرا إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي تستخدمها فتح كمظلة لتكون الطرف الرئيسي والتي اعترفت بإسرائيل في 1988 "نحن نختلف عن منظمة التحرير. ناولا نحن لا نستسلم للتهديدات- لسنا خائفين، وثانياً نحن صبورين.
===========================
تفاؤل صحفى من الأحرار
members
عدد زوار الموقع
القائمة البريدية
اختر لغتك المفضلة
مجلة "الايكونوميست" الحكومة المصرية تتحفظ مع حماس لانبثاقها من جماعة الإخوان المسلمين
الأحد، يوليو 11، 2010





