غلاف الكتابالحروب القديمة والجديدة 16
من الشائع التحدث عن ازمة الهويةإن التوجهات التي بيّنا خطوطها العريضة أعلاه عشوائية ومقصودة في الوقت نفسه.فلا حتمية، مثلاً، في نمو التباينات الاجتماعية، والاقتصادية، والجغرافية؛ فهي إلى حد ما ناتجة عن تفكك التنظيم أو عن التنظيم المتطور انطلاقاً من استمرارية الماضي.ولكن ما يمكن أن يقبل كمعطى إنما هو التحوّل التاريخي بعيداً عن الثقافات الرأسية المميزة لحقبة دولة الأمة التي ولّدت الشعور بالهوية القوميـة والأمـن.أما الرموز المجرّدة، كالنقد والقانون، التي تشكل أساس العلاقات الاجتماعية في المجتمعات التي لم يعد يحكمها التفاعل المباشر وجهاً لوجه، فهي جزء مكوّن لهذه الثقافات القومية.وقد بات من الشائع اليوم التحدث عن "أزمة هوية" - أي الشعور بالاستلاب والضياع الذي يصاحب تفكك الجماعات الثقافية.ولكن من الممكن أيضاً الإشارة إلى بعض أشكال التصنيف الثقافية الناشئة.فثمة، من جهة، أولئك الذين يعدون أنفسهم جزءاً من مجتمع عالمي من الأنداد.ولا سيما العاملين في مجال المعلومات من ذوي الثقافة العالية، أو محللو الرموز، الذين ينفقون الكثير من أوقاتهم على متون الطائرات، وينشغلون بالمؤتمرات الهاتفية، والذين يعملون لشركة عالمية أو منظمة غير حكومية، أو منظمة دولية أخرى.أو ربما كانوا أعضاء في شبكة من العلماء، أو النوادي الرياضية، أو الموسيقيين والفنانين، إلخ.وثمة من جهة أخرى أولئك الذين يُستبعدون والذين قد يعدون أنفسهم أعضاء في جماعة محلية أو فئوية (دينية أو قومية) أو لا يعدونها كذلك.للخواء السياسي نمطان من الاشخاصحتى الآن التجمعات العالمية الناشئة ليست مسيّسة، أو في الأقل فهي ليست مسيّسة تماماً.معنى ذلك أنهم لا يشكلون قاعدة لجماعات سياسية يمكن أن تؤسس عليها أشكال جديدة من السلطة.ومن أسباب ذلك الفردية وضياع القيم اللذان يميزان الحقبة الحالية:الشعور بأن العمل السياسي لا طائل تحته نظراً لضخامة المشاكلات الحالية، ولصعوبة السيطرة أو التأثير في بنية السلطة الأشبه بالشبكة، والتفتت الثقافي للشبكـات الأفقيـة والولاءات الفئويـة.ويعكس هذا الخواء السياسي نمطان من الأشخاص.الأول هو ما يصفه رايش بالشخص الكوني المتفلِّت الذي "انفصل" عن الدولة القومية والذي يتبع اهتماماته الاستهلاكية.والثاني هو المجرم الشاب الذي لا يهدأ، المغامر الجديد الذي يمكن أن يوجد فـي كل المناطـق المستبعـدة.ومع ذلك، فثمة بذور للتسييس في كلتا الجماعتين.فالتسييس الكوني يمكن أن يحدد داخل المنظمات غير الحكومية العابرة للأمم أو الحركات الاجتماعية وداخل المؤسسات الدولية كما في صفوف الأفراد حول الالتزام بالقيم الإنسانية (الحقوق السياسية والاجتماعية الكلية، المسؤولية البيئية، السلام والديمقراطية، إلخ).ومفهوم المجتمع المدني العابر للأمم- أي فكرة أن الجماعات الذاتية التنظيم العاملة عبر الحدود، يمكن أن تحل المشاكلات وتقوم بعمل اللوبي مع المؤسسات السياسية.ويمكن لسياسة الهويات الفئوية الجديدة أن تفسر بصفتها استجابة لهذه العمليات العالمية.باعتبارها ضرباً من التعبئة السياسية في وجه العجز المتزايـد للدولـة الحديثـة.سياسة الهويةإنني أستعمل عبارة "سياسة الهوية" للدلالة على الحركات التي تعبئ جمهورها حول هوية إثنية، أو عرقية، أو دينية بغية المطالبة بسلطة الدولة.وأستعمل عبارة "هوية"، بالمعنى الضيق، للدلالة على ميسم من مياسم التصنيف.وسواء أكنا نتحدث عن النزاع القبلي في أفريقيا، أم النزاع الديني في الشرق الأوسط أو جنوب آسيا، أم النزاع القومي في أوروبا، فإن السمة المشتركة هي الطريقة التي تستعمل بها المياسم كأساس للمطالبات السياسية.وكثيراً ما توصف هذه النزاعات بأنها نزاعات إثنية.إن لكلمة إثنوس ethnos تداعيات عرقية على الرغم من أن عدداً من الكتاب يشددون على أن "الإثنية" تدل على جماعة ثقافية لا على جماعة تجمعها صلة الدم.ومع أنه من الواضح أن لا أساس عرقياً للمزاعم الإثنية، فالشائع أن هذه المياسم تعامل على أنها شيء يولد عليه المرء ولا يدَ له في تغييره؛ كما لا يمكن اكتسابه عبر التحوّل أو الاندماج.فأنت ألماني إذا كانت جدتك ألمانية وإن كنت لا تنطق بالألمانية ولم تزر ألمانيا قط؛ ولكنك لست ألمانياً إذا كان أبواك أتراكاً وإن كنت تعيش في ألمانيا وتعمل فيها.والكاثوليكي المولود في بلفاست الغربية محكوم بالبقاء كاثوليكياً وإن تحوّل إلى البروتستانتية.ولا وسع للكرواتي أن يصير صربياً باعتماد المذهب الأرثوذكسي والكتابة بالحرف الكيريلي.وبقدر ما تعد هذه المياسم حقوقاً موروثة بالولادة، فإن النزاعات المرتبطة بسياسة الهوية يمكن أيضاً أن توصف بأنها نزاعات إثنية. وكثيراً ما تكون هذه الهويات دينية وقومية.فالادعاء بالهوية السياسية لمسلم في البوسنة، ولكاثوليكي في إيرلندا الشمالية، أو لهندوسي في الهند، إنما هو الادعاء بهوية قومية في الوقت نفسه. ثمة طبعاً أشكال من سياسة الهوية لا تكون فيها المياسم حقوقاً موروثة بالولادة، بل يمكن أن تكتسب أرادياً أو تفرض بالقوة.والحق أنه في مناطق النزاعات المستوطنة، غالباً ما تصبح سياسة الهوية أكثر غلوّاً وتستحيل إلى ضرب من الأصولية، أي الالتزام الجامد بعقيدة أو مذهب ما.من ذلك أن بعض فرق الإسلام الحركي تستهدف خلق دول إسلامية نقية عبر أسلمة غير المسلمين لا عبر استبعادهـم.المطالبة بالسلطةوتحيل كلمة "سياسة" إلى المطالبة بسلطة الدولة.ثمة في الكثير من أنحاء العالم حركات إحيائية دينية، أو اهتمام متجدّد في بقاء الثقافات المحلية ولغاتها، ويمكن عد هذا الأمر رداً على ضغوط العولمة إلى حد ما.فالحملات السياسية لحماية ديانة أو ثقافة أو ترقيتها قد تفضي أحياناً إلى المطالبة بالسلطة. ومع ذلك فليس هذا ما أعنيه بسياسة الهوية.فأمثال هذه الحملات السياسية هي مطالبات بحقوق ثقافية ودينية.وهي تختلف تماماً عن المطالبة بالحقوق السياسية اعتماداً على الهوية.وتعد هذه شكلاً من أشكال الفئوية الجماعية communitarianism التي تختلف عن الحقوق السياسية الفردية والتي قد تتناقض معها.ومن الممكن أن نقيم تقابلاً بين سياسة الهوية وسياسة الأفكار.فسياسة الأفكار تتعلق بمشاريع تنظر إلى الأمام. من ذلك أن الصراعات الدينية في أوروبا الغربية في القرن السابع عشر كانت تتعلق بتحرير الفرد من قبضة الكنيسة القائمة القاهرة.كما أن أوائل الصراعات القومية في أوروبا القرن التاسع عشر أو في أفريقيا المستعمرة كانت تتعلق ببناء الدولة.وكان ينظر إليها بصفتها طرقاً لصهر جماعات متنوعة من الأشخاص في بوتقة الأمة بغية تحقيق الحداثة.وقد أخضعت السياسة مؤخراً لأفكار علمانية مجردة كالاشتراكية والبيئوية اللتين تتيحان نظرة إلى المستقبل.ويميل هذا النوع من السياسة إلى أن يكون دامجاً ومستوعباً لكل الذين يدعمون الفكرة، وإن تبيّن من التجربة الحديثة العهد أن الطابع الكلي لأفكار كهذه يمكن أن يتخذ مسوّغاً لممارسات توتاليتارية وتسلطية.بالمقابل، تميل سياسة الهوية إلى أن تكون تفتيتية، ناظرة إلى الوراء، واستبعادية.وتميل التجمعات السياسية المرتكزة على الهوية الحصرية الاستبعادية إلى أن تكون تحركات رائدها الحنين المستند إلى إعادة تشكيل ماضٍ بطولي، وذكريات المظالم سواء أكانت حقيقية أم وهمية، والمعارك الشهيرة سواء أكتب للجماعة فيها النصر أم الهزيمة.وهي تستمد المعنى من انعدام الشعور بالأمن، عبر تجديد الخوف من أعداء تاريخيين، أو عبر شعور بالتهديد من قبل جماعات أخرى ذات مياسم مختلفة. ويمكن للمياسم أن تقسّم، ويعاد تقسيمها.إذ لا وجود لشيء يسمى النقاء أو التجانس الثقافي.ولا بد لكل مجتمع سياسي حصري استبعادي ومرتكز على الهوية من أن يولّد أقلية بالضرورة.ولذلك كانت سياسة الهوية تنطوي في أحسن الأحوال على التمييز السيكولوجي ضد أولئك الموسومين على نحو مختلف؛ وتقود في أسوئها إلى طرد السكان والإبادة الجماعية.نشأت سياسة الهوية الجديدة من تفكك أو تآكل هيكليات الدولة الحديثة، ولا سيما الدولة المركزية السلطوية.فانهيار الدول الشيوعية بعد 1989، وفقدان دول أفريقيا وجنوب آسيا التي استقلّت بعد الاستعمار شرعيتها، أو حتى انحطاط دول الرفاه في بلدان صناعية أكثر تقدماً، عوامل توفر المناخ المؤاتي لنشوء أشكال جديدة من سياسة الهوية.إن لسياسة الهوية الجديدة مصدرين أساسيين يرتبط كلاهما بالعولمة.فمن الممكن، من جهة، أن ينظر إليها بصفتها رداً على العجز المتنامي للطبقات السياسية القائمة وانحطاط شرعيتها.وفي هذا المنظور، تعد سياسة يروّج لها مِن أعلى لخدمة وزرع التعصبات الشعبية.إنها شكل من التعبئة السياسية، تكتيك للبقاء، يعتمده الساسة الناشطون في السياسة القومية إما على مستوى الدولة أو على مستوى مناطق محددة قومياً، كما في حال جمهوريات يوغوسلافيا السابقة أو الاتحاد السوفيتي السابق أو في مواضع مثل كشمير أو أريتريا قبل الاستقلال.ومن جهة أخرى، تبرز سياسة الهوية من القلق المرتبط بعمليات العولمة وبصورة خاصة بنشوء ما يمكن وصفه بالاقتصاد الموازي - وهي أشكال جديدة شرعية وغير شرعية لكسب الرزق برزت في صفوف الأقسام المستبعدة من المجتمع - وتشكل طريقة من طرق شرعنة أشكال النشاط المشبوه الجديدة هذه.ففي أوروبا الشرقية بنحو أخص، كان من شأن حوادث 1989 أن ضغطت أثر العولمة في تقويض الدولة القومية وأيضاً في إطلاق أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي إلى حيز زمني "انتقالي" قصير جداً، بدرجة إن هذا الشكل من أشكال القومية الصاعدة من أسفل اندمج بالقومية الهابطة من أعلى ليكوّنا خليطاً متفجراً. -- الصباح الجديد -
=================================================





