قيامة إيران النووية

الأربعاء، نوفمبر 04، 2009


قيامة إيران النووية


ذهل مساعدوه وتجمدت قواهم للحظة عندما رأوه لم ينحن أمام الملكة كما يقتضي العرف... ولما سألوه بعد ذلك ماذا دهاك ؟
قال لقد شعرت للحظة ان الشعب المصري بكامل قواه يجرني إلى أعلى... فنفذت إرادتهم، كان هذا جواب سعد زغلول وهو يفاوض ملكة بريطانيا...

وهكذا اليوم هو حال سعيد جليلي المفاوض الإيراني وهو يرفض تسليم مخزونه الاستراتيجي من اليورانيوم المخصب للغرب دون تعديلات جوهرية وضمانات مؤكدة، ولن تستطيع أي قوة على الأرض إجبار طهران على فعل خلاف ذلك!
المفاوضات في أولها والمعركة طويلة والزمن هو ليس زمن الأميركيين ناهيك عن الإسرائيليين حتى يقولوا لنا: إنه لا وقت لديهم للتسويف أو التأجيل أو لمزيد من المباحثات! ‏
إنه زمن الإرادات المتكافئة إلى حد كبير والمصالح المتشابكة بقوة، فكما أن إيران بحاجة إلى بعض تقنياتهم فان الغرب هو الآخر بحاجة ليس فقط إلى السوق والمواد الأولية الإيرانية، وهم المفلسون في هذه الأيام بل بحاجة إليها في تهدئة الأوضاع وحفظ ماء الوجه في أكثر من محطة وميدان! ‏
ومن لا يصدق هذا الكلام فليراجع تقارير ومحاضرات بعض قياداتهم التي هي الآن خارج السلطة لكنها تتكلم بشفافية أكثر عن عدمية خيار الحصار الاقتصادي لإيران وعن استحالة التحكم بأي من ملفات المنطقة المتوترة والساخنة دون الاستعانة المباشرة بإيران! ‏
ليست المكابرة وحدها طبعاً هي السبب وراء الخطاب الذي نسمعه في هذه الساعات من السيدة كلينتون ومساعديها حول نفاد الوقت وما إلى ذلك.. بل هو (البازار) القائم بعينه على عدة مستويات وفي أكثر من مجال من التجارة المفتوحة بين واشنطن وطهران ورسو أكبر سفينة فليبينية عملاقة مملوكة للأميركيين في ميناء بندر عباس وصولاً إلى تجارة الفستق والسجاد وغيره، مروراً بالأمن الإقليمي وما يعانيه من حاجة ملحة وماسة إلى الإيرانيين في العراق وأفغانستان من أجل استمرار العملية السياسية فقط ، فما بالك لحفظ ماء وجه الخروج من المستنقعات الوحلة والرمال المتحركة، وصولاً إلى أمن الطاقة عالمياً وإلى أوروبا الأطلسية بالذات حيث يقول غيرهارد شرودر مستشار ألمانيا السابق (إن حاجتنا الماسة إلى نحو مليار ومئتي متر مكعب من الغاز من الآن حتى العام 2015 لا يمكن أن تتحقق من دون إشراك إيران في مشروع نوباكو البديل الذي ينبغي أن يمر عبر تركيا للتحرر من الخيار الروسي ما يتطلب رفع المعوقات الاقتصادية والمعضلات السياسية) كما ورد في محاضرة له في قازاخستان حديثا! ‏
وأما من يرد أن يصدق أو يقنعنا بأن باراك حسين اوباما (الطيب) قد قرر فعلاً إقران أقواله بالأفعال بخصوص التغيير تجاه إيران والمنطقة فليتوقف عند أمرين فقط على سبيل المثال لا الحصر، الأول هو توقيعه على ميزانية 55 مليون دولار من حصة البنتاغون للحرب المخملية الناعمة ضد إيران، والثاني هو تراجعه المحبط حتى لعرب الاعتدال ودمى الاحتلال عن شرط تجميد ـ مجرد تجميد ـ الاستيطان الصهيوني قبل استئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني! ‏
من جهة أخرى فإنه ليس أحمدي نجاد اليوم وحده من يرفض الآن تسليم مخزون بلاده الاستراتيجي من اليورانيوم المخصب للغرب دفعة واحدة، بل هو رأي رئيس البرلمان الذي وصف الصفقة بأنها (شكل من أشكال الخديعة) إضافة إلى أغلبية البرلمانيين المتفاوتة آراؤهم مع الرئيس بمن فيها الأقلية البرلمانية المعارضة له والمشتبكة معه في الشارع، لا بل إن النخبة الشاهنشاهية المنتمية للعهد البائد وصل ببعضها وصف الغربيين (بالكذابين وأنه لو كان محل صانع القرار الإيراني الحالي لخرج من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية...) كما جاء على لسان السيد أكبر اعتماد رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية في زمن العهد البائد! ‏
إنه يوم غضب الإيرانيين العارم اليوم الأربعاء الرابع من تشرين الثاني ليس فقط باعتباره يوم الكفاح ضد الاستكبار العالمي على خلفية واقعة احتلال السفارة الأميركية أو ما بات يطلق عليه وكر التجسس الأميركي منذ ذلك الوقت من أوائل الثمانينيات، بل سيكون المناسبة المتجددة لإعادة لحمة القوى الإيرانية من جديد حول موضوع بات جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي الإيراني بامتياز! ‏
إنها قيامة إيران الثانية والثالثة والرابعة... من جديد ما لم تدرك واشنطن أن الضغط على ذيل الأسد الإيراني بإمكانه الإطاحة بكل ما أنجزه سولانا وبعض القوى الاقليمية العربية منها والإسلامية التي تراهن على بعض العقلانية المتاحة في إدارة اوباما من أجل عدم العودة إلى الوراء خوفاً من انفلات الوضع برمته ما قد يؤدي إلى تفجير بارود الشرق الأوسط الأميركي القديم والجديد على حد سواء! ‏
وعليه فإن المتتبعين لا يعتقدون أن (شعرة معاوية) بين الغرب وإيران قد انقطعت أو في طريقها إلى ذلك، بل ان الغرب في طريقه للانحناء أمام ملكة أمم الشرق الجديد هذه المرة عاجلاً أو آجلاً لأنه ليس فقط لديه القدرة على المجابهة مع مجموع الظروف المتغيرة والتي لا تميل لمصلحته، بل إنه يفتقر كذلك إلى القوة الشعبية الكفيلة بمنعه من الانحناء أمام الشرق المتجدد كما فعل شعب مصر العظيم مع سعد زغلول وهو يفاوض ملكة بريطانيا التي كانت عظمى في يوم من الأيام! ‏
ومن لا يُرد أن يصدق من إدارة اوباما أو من الذين لا يزالون منبهرين به، ما نقوله، فما عليه إلا أن يجرب أي خطوة أو إجراء خلاف المزيد من الحوار والمزيد من المفاوضات والمزيد من التعامل على أساس قواعد البازار القائم وعندها سيرى عاقبة الندم المتأخر بأم عينيه! ‏
لكن العارفين بكثير من بواطن الأمور يعرفون تماما أن الإيراني لن تنقصه الحيلة أيضاً في تقديم الإغراءات اللازمة للغرب عند اللزوم كما لن تنقصه الحيلة في جعل الغرب يبلع الطعم أكثر من مرة دون أن يجعله يصطاد ما يريد من السمك حتى ولو مرة واحدة، ومن يرد أن يعلم أكثر يستطع العودة إلى مذكرات زواج فوزية أخت الملك فاروق من الشاه محمد رضا بهلوي وكيف انه عندما اضطر إلى تطليقها تمكن من عدم دفع مهرها بمهارة وإعادة المجوهرات التي بحوزتها إلى البنك المركزي الإيراني، وعليه فان هؤلاء العارفين ينصحون الغرب بعدم إجبار إيران على اتخاذ خيار الطلاق مع الغرب من جديد! ‏ - تشرين -
-----------------------------------------------------------------------------------