الجزيرة و 13 عامًا من التميز والجدل والتأثير

السبت، نوفمبر 07، 2009


الجزيرة و 13 عامًا من التميز والجدل والتأثير


ياسر الزعاترة -عندما تكون الجزيرة هي العدو الألدّ لعددٍ كبير من الأنظمة الشمولية التي تهيمن على السلطة والثروة في عالمِنا العربي، فهذا يعني أنها في الطريق الصحيح، وعندما يراوِح أحد ألد أعداء الأمة منذ عقود (جورج بوش الابن) بين مطاردتها عمليًّا من كابول إلى بغداد، فضلًا عن التفكير بقصف مقرِّها، فهذا يعني أنها في الاتجاه الصحيح، وعندما يغصُّ الصهاينة بتغطيتها للحرب على قطاع غزة، وقبلها انتفاضة الأقصى وسائر تفاصيل الحدث الفلسطيني، فهذا يعني أنها في الاتجاه الصحيح، وعندما يكون الموقف منها بالغ السلبية من قادة ورموز يستمتعون بالتبعية للخيارات الأجنبية في قضايا الأمة من فلسطين إلى العراق، فهذا يعني أنها -قطعًا- في الاتجاه الصحيح.
ثمة فضائياتٌ أخرى تناضل بهذا القدر أو ذاك في سبيل قضايا الأمة، أحيانًا بنبرة أعلى -كما هو حال المنار والأقصى- وأخرى بنبرة مشابهة -كما هو حال فضائيات كثيرة- لكن الجزيرة تظل في الصدارة تبعًا لإمكاناتها الكبيرة على مختلف الأصعدة.
بمناسبة احتفالها بالذكرى الثالثة عشرة لتأسيسها، يبدو من الضروري التوقف عند أسرار نجاح الجزيرة، بعيدًا عن مفردات البؤس التي يشيعها البعض في سياق المناكفة، كما هو حال الحديث عن قاعدة السيلية التي تنتصب على مقربة من مقرّها، الأمر الذي لا يردده للمفارقة غير أعداء خطِّها السياسي ممن يريدونها صدًى للأنظمة وتيارات التراجع ورفض المقاومة في الأمة.
إن الذين يمدحون الجزيرة لا يسكتون عن قاعدة السيلية ولا سواها، بل يدينون أي قدر من التعاون مع أعداء الأمة، لكنهم لا ينسون في المقابل أن ثمة دولًا أخرى تستقبل أمثال تلك القاعدة وترتكب الكبائر السياسية والوطنية، بينما يصطفُّ إعلامها أيضًا في المربع المناهض لخيارات الأمة ووعيها الجمعيّ.
كل هذا الاحتفاء بالجزيرة في أوساط الرأي العام العربي والإسلامي لم يأتِ من فراغٍ، وكل هذا الحقد عليها من جهاتٍ أخرى معروفة لم يأتِ من فراغٍ أيضًا، فهي بالنسبة للطرف الأول الأكثر تعبيرًا عن قضاياه، أما الطرف الثاني فهي المنبر الذي يفضح ممارساتِه.
الجزيرة ليست تنظيمًا ولا مليشيا مسلحة، بل منبرٌ للرأي والرأي الآخر، والذي يعنيهم سماع الرأي الآخر هم الذين ينحازون إليها ويعتبرونها مصدرهم الأثير لتلقي الأخبار وردود الفعل حولها، بينما يكرهها الذين لا يطيقون سماع شيءٍ سوى صدى أصواتهم، حتى لو كانت أصواتهم نشازًا في عُرف الجماهير.
إن الجزيرة في تعبيرها عن الوعي الجمعيّ للأمة لا تصل حدود تعبير فوكس نيوز عن القومية الأمريكية، ولا الـ(بي بي سي) عن القومية البريطانية، وربما بدت أقرب إلى الـ(سي إن إن) في الحالة الأمريكية، لكن خروجها في فضاء عربي لا يعبر أكثر إعلامِه سوى عن هواجس الأنظمة وتيارات التراجع هو الذي منحها التميز وجعلها عرضةً للاستهداف في آنٍ.
لا ننسى بالطبع أن في الفضاء العربي قنواتٍ أخرى يعرفها الجميع لا تقلّ من حيث الإمكانات عن الجزيرة، لكنها لا ترتقي إليها من حيث المكانة بين الجماهير، والسبب هو وقوفُها الدائم في المربع الآخر، بل تفنن بعضها في مناكفة الوعي الجمعي للأمة.
لا ينفي ذلك أن ثمة إمكاناتٍ كبيرةً تتمتع بها الجزيرة أهّلتها لاستقطاب كفاءات كبيرة في ميدان الإعلام، لكن الأهم من ذلك هو تلك الروح التي تحكم سلوكها الإعلامي، والتي تركز على هموم الجماهير، بعيدًا عن هواجس إرضاء هذا النظام أو ذاك.
يعلم القائمون على الجزيرة أن تعبيرها عن هواجس الناس من دون ابتذال هو الذي منحها فرصةَ التميز والنجاح، ولو كفَّت عن ذلك لما كان من الناس غير البحث عن بديل، حتى لو كان أقل كفاءةً بهذه الدرجة أو تلك.
سيقول البعض: إن الجزيرة تمارس التحريض في بعض الأحيان، والحقُّ أن إدمانهم على إعلام الأنظمة هو الذي يدفعهم إلى قول ذلك، فضلًا عن تجاهل أن أية وسيلة إعلام لا بدَّ لها من العمل على استقطاب الجمهور، أعني الجمهور الجاد، لأن لقنوات "الهِشِّكْ بِشِّكْ" طريقتَها المعروفة في استقطاب الجمهور أيضًا.
في ذكراها الثالثة عشرة تكبُر الجزيرة وتتوسع وتكثر فروعُها ويزداد تأثيرها، فتُعجِبُ الزُّراع والمخلصين من أبناء الأمة، وتغيظُ قطاعاتٍ أخرى (محدودة بحمد الله مهما علا صوتها) لاعتباراتٍ كثيرةٍ يعرفها الجميع.-الاسلام اليوم -
=================================================