من يحكم العالم؟ -محمد خليفة -
ثمة سؤال يدور في أذهان الكثيرين هو: هل توجد حكومة عالمية خفية تحكم العالم؟ والإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، لأنه لا يوجد شيء ملموس من هذا القبيل. بل ثمة أحداث تحصل في العالم توحي بأن هناك حكومة خفية واحدة بيدها الحرب والسلم ومفاتيح الاقتصاد والسياسة الدولية. وتضم هذه الحكومة مجموعة من الأفراد، ومهام هؤلاء حكم العالم ولا أحد يعرف بالتحديد مقر هذا المجلس.
لكن بعض المصادر تشير إلى أن مقر المجلس (السنهدرين) يقع في إحدى الدول الغربية ويعتبر المصدر التشريعي والتنفيذي والقضائي، بل هذه الفئة ليست حديثة العهد بل إنها عريقة وقديمة ومرتبطة بالتلموديين في بابل عندما كان دور هذه المنظمة قيادة العالم من بابل وأورشليم منذ ما قبل الميلاد، ومنهج هذه الفئة يقوم على استخدام المثالية لخلع المشروعية على إيديولوجيتهم وفلسفتهم الطبيعية الأخلاقية القائمة على أساس نزعة العداء التي تكنّها مجموعة بشرية حيال مجموعة بشرية أخرى على أسس بيولوجية، وبمجموعة من التطورات في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتقسيم سكان العالم إلى مجموعات بيولوجية بشكل تراتبي وتدمير القيم والعقائد والتصورات وتأويل الرموز والشعائر، واستبطان جميع الوسائل الباطنة الخفية وبشتى السبل واستخدام شخصيات مؤثرة وفاعلة وبارزة
من مفكرين وساسة من أجل إخلال موازين القوى.
ومهمة أعضاء المجلس الانفراد بالقدرة على تشكيل الهيكل الدولي ومن ثم التأثير والنفوذ في نظام العالم، بل وتتخطى هذا الإطار إلى آفاق أوسع، وتشمل قضايا ذات أبعاد وجذور اجتماعية وتقنية وفنية بعيدة المدى ومن خلال هذه الوقائع استطاع هؤلاء الهجوم على الوعي القومي للشعوب الأخرى في الوقت الذي أنشاوا فيه هم أنفسهم حواجز عالية.
إن الأحداث في المائة وخمسين سنة الماضية أوضحت بصورة جلية أن هذه الفئة أدركت أن امتلاك السلطة في العالم يتطلب القضاء على حكومات الشعوب الشرعية، فرفعت شعار التحرر والثورة، وقد فتح هذا الشعار الباب واسعاً أمام القوى الثورية للتدخل في حياة الشعوب وتدمير الحكومات. كما حدث في فرنسا عام 1789 وكما حدث في روسيا عام ،1917 والواقع أن هؤلاء الثوريين كانوا صنيعة التلموديين وينشطون وفق أوامر منهم وتحت مراقبتهم وفقاً للفكرة التي تقول، إن الله خلق العالم من أجل سلطتهم بشكل خاص، لذلك يعملون على الإخلال بموازين القوى وهم منقادون بدوافع خفية وبمواقف التلوّن وبشتى السبل سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية وإشعال الحروب هنا وهناك وخلق النزاعات الخفية بين الدول المختلفة، وهم الذين خططوا وساهموا في صعود الفاشية والنازية والدكتاتورية الستالينية باعتبارها النموذج الأشد استبداداً وخطورة وفي ظلها كان الإنسان مشبوهاً حتى وإن لم يتدخل في الشؤون
العامة.
ومن مهام مجلس قيادة العالم الذي يقوده هؤلاء أيضاً محاربة الدين بالفكر والنشاط والحيرة والشك وتمجيد الإلحاد وتبنّي الحياة الإباحية والفوضى والغموض وعدم المنطق والغرائز الحيوانية باسم الحرية. والنفاذ إلى عمق الحياة والعمل على توتير العلاقات الاقتصادية والصلات التجارية والتحكم في انهيار البورصات العالمية وما يرافقها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية مع الإيهام بأنهم يعملون من أجل خدمة البشرية. ويملأون فراغ العقيدة بتصورات ومفاهيم أخرى ليجهزوا على الجذور التاريخية للأمم ولإفساد حياتها الأخلاقية بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس أنهم يعملون بالأخلاق والقواعد التي ترتكز على الوعي والعاطفة الدينية والأفكار الداعية إلى العدالة الاجتماعية لبناء مجتمع أكثر عدالة إنسانية، ولكن في الحقيقة هم يبلورون الفتنة بالحيلة والمكر ويدعون إلى الشر والفساد وبمختلف الأحابيل وببراعة فائقة في استخدام المناهج المختلفة لعرض وسائل الفساد من خلال عمليات غسل الأدمغة وزرع فكر جديد في رؤوس الأجيال لتنشأ على ولاء فكري ونفسي للغرب وحضارته، ولتنسى ثقافتها وحضارتها ولتتعمم الفوضى الأخلاقية التي تلهو بالمقدسات كمقدمة لتحطيم المجتمعات الإنسانية، وتحطيم الأوطان والقضاء على الأديان
السماوية، والسيطرة الكاملة على العالم.
المظلات الدفاعية الأمريكية
ولكن هل تسمح خريطة التوازنات الدولية للولايات المتحدة بتنفيذ هذا المخطط؟ الواقع أن اتجاهات السياسة العالمية تؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى الوحيدة ولم يعد بوسعها التصرف كما كانت تفعل في السابق بل ثمة عالم جديد يتخلق ليس لها فيه إلا نصيب الشريك في الشركة، وهذا العالم باتت تلوح تباشيره في الأفق، وقد ساهمت عدة أمور في الوصول إلى هذا الواقع الراهن لعل أهمها انخراط الولايات المتحدة في الحرب في أفغانستان والعراق وخسارتها مئات المليارات من الدولارات من دون تحقيق أي هدف. وما أعقب ذلك من انهيار في اقتصادها أدى إلى حدوث كارثة مالية لم تكتمل فصولها حتى الآن.
وقد انسحبت آثار هذا الانهيار على حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الذين تراجعت مواقعهم العالمية، وفي نفس الوقت، كانت مواقع روسيا والصين وحلفاؤهما تتقدم في العالم وقد تجلى ذلك من خلال عدة أزمات تأتي في مقدمتها أزمة المشروع النووي الإيراني التي طغت على مختلف الأحداث العالمية في السنوات الأخيرة الماضية، فقد كان هذا المشروع موضع جدل واسع بين القوى الغربية من جهة وبين روسيا والصين من جهة أخرى، حيث رأت القوى الغربية أن هذا المشروع يشكل خطراً استراتيجياً عليها وعلى مصالحها في العالم وعلى دول المنطقة في حين أن روسيا والصين وجدتا أن من حق أية دولة في الشرق الأوسط أن تمتلك قدرة نووية في إطار الشرعية الدولية.
وقد حاولت القوى الغربية إدخال إيران في أتون العقوبات الاقتصادية والمقاطعة الدولية الشاملة وذلك من خلال مجلس الأمن الدولي ولكن بسبب موقف روسيا والصين لم يستطع المجلس فرض هذه العقوبات. وإزاء هذا الواقع فإن السياسة الدولية تتجه نحو الدخول في نفق الأزمة، فلا الولايات المتحدة والدول الحليفة لها قادرة على فرض إرادتها والاستمرار في نهج السيطرة والتحكم، ولا روسيا والصين ستقبلان بمواقعها الحالية. بل ستعملان على الاندفاع وراء مناطق النفوذ في هذا المكان أو ذاك من العالم، وهكذا فإنهما لن تسمحا للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين بإقامة المظلات الدفاعية لأن ذلك سيعرّض مصالحها للخطر، وهذا ما هو متوقع من الموقف الروسي المعارض لإقامة قواعد دفاع صاروخي أمريكي في بعض دول أوروبا الشرقية، وفي هذا الخصوص فإن الولايات المتحدة ستجد صعوبة بالغة في مد مظلة دفاعية بين منطقة الخليج ومنطقة بحر قزوين والقوقاز، فهي إذا كانت قادرة على وضع درع صاروخي في “إسرائيل” أو في بعض دول المنطقة، فإنها لن تتمكن من ذلك في دول آسيا الوسطى والقوقاز بسبب سطوة روسيا وقوتها.
وسيبقى الأمر في المنطقة عموماً معلقاً بين شد وجذب فلا روسيا والصين ستخضعان لطلبات الغرب ولا هذا الأخير سيقبل بهما دولتين منفلتين من قيادته وستتجه هاتان الدولتان نحو مزيد من التحدي والتمدد مما سيدفع الأمور في العالم إلى التعقيد أكثر وأكثر وسوف تتعطل سلطة مجلس الأمن وستتعطل معها الدبلوماسية الدولية ولن يبقى سوى السلاح طريقة لإنتاج الحوار الهادئ.- الخليج -





