محمود سلطان -التجربة المصرية .. ومسلمو أوروبا
تعتبر التجربة المصرية، خاصة فيما يتعلق بـ"الملفّ الطائفي"، هي التجربة الأهم التي يمكن أن يستفيد منها المسلمون في أوروبا.. إذ لم تضطرب الأوضاع الطائفية في مصر، إلاّ منذ عام 1972، وفي الثلاثين عاماً التي تلتها، بعدما أحالت الكنيسة الأرثوذكسية "النصرانية" من "عقيدة"، إلى "هوية" موازية لهوية "الدولة الأم" والتي تستقي من العروبة و الإسلام قوامها الأساسي.
صحيح أن النخبة في مصر ليست قلقة على "هويّة الدولة" على النحو الذي يشغل النخب السياسية الغربية على هوية أوروبا المسيحية من الوجود الرمزي الإسلامي، وتناميه في الحواضر الغربية بشكل لافت.. وربما يرجع ذلك إلى الفارق الكبير بين التجربتين؛ إذ يظل "نصارى" مصر مواطنين مصريين أباً عن جد، فيما يمثل الإسلام في نسخته الغربية "وافداً دينياً" و أحد أهم تجلّيات "الهجرة الثقافية" من الشرق.. ومع ذلك فإن التجربة المصرية والتي تنحو نحو "الصدام" بين "الهويات"، وما يترتب عليه من عنف وشغب واضطربات طائفية، يمكن أن تنتقل عدواه إلى مسلمي أوروبا.. وربما تتخطى تداعياته وخطورته "الأسْقُف"، التي يمكن أن يقبل تحتها العالم الغربي بالتعايش مع "المخالف" الإسلامي.
لا يمكن ـ بحال ـ أن نساوي بين محاولات الكنيسة المصرية "نصرنة" الواجهة الحضارية المصرية، بالتمدّد الخرساني والأسمنتي الكنسي غير المشروع في الشارع المصري، وبين انتشار المآذن في بعض العواصم والمدن الغربية.. فالأولى لا حاجة إليه على صعيد "التعبّد"، وإنما يأتي في سياق مخطط حقيقي لانتزاع مساحات عمرانية تُخصم من رصيد "الإسلام الحضاري" لمصر، وهو سلوك كنسي رسمي يستفزّ الرأي العام، ويعيد اصطفاف المجتمع وتسخينه وتهيئته لصدام طائفي كبير ومتوقع.. فيما يظل انتشار المساجد في أوروبا ـ حتى اليوم ـ عند حدوده الدنيا والأقل من المطلوب لحاجات تعبّدية محضة، ولم يتحوّل بعد إلى "أداة" مقصودة لأسلمة المجتمع الغربي، ومع ذلك فهو يوضع تحت الرقابة الصارمة من مؤسسات الدولة، ويصطدم كل يوم بعشرات القيود التي تحدّ من انتشاره؛ خوفاً وتوجّساً من "النيات" التي تقف وراءه، وما إذا كان لضرورات دينية أو لحسابات "نضالية".
إن أخطر ما في التجربة المصرية، هو تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة بديلة لمؤسسة الدولة، وباتت هي مناط "الولاء والبراء" بالنسبة للنصارى، وبديلاً للأحزاب والنقابات والروابط المهنية المقامة على أساس وطني لا طائفي، بحيث أصبحت هي التي تتكلم باسم النصارى، وتخاطب المجتمع والدولة والعالم باسمهم، مما عزّز من "الانقسام الطائفي"، ووضع النصارى والمسلمين عند خطوط متماسّة الخوف، والقلق، والتوجّس، وسوء الظن، والتربّص، وخلف بيئة سياسية واجتماعية هشّة وقابلة للاشتعال، مع أقل واقعة حتى لو كانت "جنائية" طرفاها: مسلم ونصراني.
وبمتابعتي للأنشطة اليومية لمسلمي أوروبا، لاحظت أنهم يستنّون ـ بلا وعي ـ بسنة الانفصال والعزلة الشعورية عن المجتمع الغربي، بالبحث عن روابط ومؤسسات تتحدث باسمهم، وهم بذلك يرتكبون ذات أخطاء نصارى مصر.. حين انفصلوا عن الدولة الأم، والتحقوا بمؤسسة طائفية "الكنيسة" للاحتماء بها والتحدث بالوكالة عنهم.. فتحوّلوا من "مواطنين" إلى "أقلية طائفية" مثيرة للقلق والخوف، وفي حالة صدام مع المجتمع.
وإذا كانت النخبة المصرية، ترى أنه لا حلّ للاحتقان الطائفي في مصر، إلاّ بعودة النصارى إلى حاضرة الدولة ـ وليس الكنيسة ـ ليمارسوا
أنشطتهم السياسية والاجتماعية من خلال مؤسساتها الشرعية والوطنية من نقابات وأحزاب وروابط وغيرها، فإن على مسلمي أوروبا التخلي عن تأسيس مؤسسات "طائفية" للتحدث بالوكالة عنهم.. إذْ لن ينفعهم إلاّ الانخراط في الأحزاب السياسية الغربية والعمل من خلال المؤسسات الوطنية باعتبارهم "مواطنين"، وليسوا "أقلية" مستضعفة، وأعتقد أن هذا الخيار يظل هو المظلة التي تقيهم الاضطهاد السياسي والديني، وتحفظ لهم حقوقهم السياسية والمدنية.الاسلام اليوم -
صحيح أن النخبة في مصر ليست قلقة على "هويّة الدولة" على النحو الذي يشغل النخب السياسية الغربية على هوية أوروبا المسيحية من الوجود الرمزي الإسلامي، وتناميه في الحواضر الغربية بشكل لافت.. وربما يرجع ذلك إلى الفارق الكبير بين التجربتين؛ إذ يظل "نصارى" مصر مواطنين مصريين أباً عن جد، فيما يمثل الإسلام في نسخته الغربية "وافداً دينياً" و أحد أهم تجلّيات "الهجرة الثقافية" من الشرق.. ومع ذلك فإن التجربة المصرية والتي تنحو نحو "الصدام" بين "الهويات"، وما يترتب عليه من عنف وشغب واضطربات طائفية، يمكن أن تنتقل عدواه إلى مسلمي أوروبا.. وربما تتخطى تداعياته وخطورته "الأسْقُف"، التي يمكن أن يقبل تحتها العالم الغربي بالتعايش مع "المخالف" الإسلامي.
لا يمكن ـ بحال ـ أن نساوي بين محاولات الكنيسة المصرية "نصرنة" الواجهة الحضارية المصرية، بالتمدّد الخرساني والأسمنتي الكنسي غير المشروع في الشارع المصري، وبين انتشار المآذن في بعض العواصم والمدن الغربية.. فالأولى لا حاجة إليه على صعيد "التعبّد"، وإنما يأتي في سياق مخطط حقيقي لانتزاع مساحات عمرانية تُخصم من رصيد "الإسلام الحضاري" لمصر، وهو سلوك كنسي رسمي يستفزّ الرأي العام، ويعيد اصطفاف المجتمع وتسخينه وتهيئته لصدام طائفي كبير ومتوقع.. فيما يظل انتشار المساجد في أوروبا ـ حتى اليوم ـ عند حدوده الدنيا والأقل من المطلوب لحاجات تعبّدية محضة، ولم يتحوّل بعد إلى "أداة" مقصودة لأسلمة المجتمع الغربي، ومع ذلك فهو يوضع تحت الرقابة الصارمة من مؤسسات الدولة، ويصطدم كل يوم بعشرات القيود التي تحدّ من انتشاره؛ خوفاً وتوجّساً من "النيات" التي تقف وراءه، وما إذا كان لضرورات دينية أو لحسابات "نضالية".
إن أخطر ما في التجربة المصرية، هو تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة بديلة لمؤسسة الدولة، وباتت هي مناط "الولاء والبراء" بالنسبة للنصارى، وبديلاً للأحزاب والنقابات والروابط المهنية المقامة على أساس وطني لا طائفي، بحيث أصبحت هي التي تتكلم باسم النصارى، وتخاطب المجتمع والدولة والعالم باسمهم، مما عزّز من "الانقسام الطائفي"، ووضع النصارى والمسلمين عند خطوط متماسّة الخوف، والقلق، والتوجّس، وسوء الظن، والتربّص، وخلف بيئة سياسية واجتماعية هشّة وقابلة للاشتعال، مع أقل واقعة حتى لو كانت "جنائية" طرفاها: مسلم ونصراني.
وبمتابعتي للأنشطة اليومية لمسلمي أوروبا، لاحظت أنهم يستنّون ـ بلا وعي ـ بسنة الانفصال والعزلة الشعورية عن المجتمع الغربي، بالبحث عن روابط ومؤسسات تتحدث باسمهم، وهم بذلك يرتكبون ذات أخطاء نصارى مصر.. حين انفصلوا عن الدولة الأم، والتحقوا بمؤسسة طائفية "الكنيسة" للاحتماء بها والتحدث بالوكالة عنهم.. فتحوّلوا من "مواطنين" إلى "أقلية طائفية" مثيرة للقلق والخوف، وفي حالة صدام مع المجتمع.
وإذا كانت النخبة المصرية، ترى أنه لا حلّ للاحتقان الطائفي في مصر، إلاّ بعودة النصارى إلى حاضرة الدولة ـ وليس الكنيسة ـ ليمارسوا
أنشطتهم السياسية والاجتماعية من خلال مؤسساتها الشرعية والوطنية من نقابات وأحزاب وروابط وغيرها، فإن على مسلمي أوروبا التخلي عن تأسيس مؤسسات "طائفية" للتحدث بالوكالة عنهم.. إذْ لن ينفعهم إلاّ الانخراط في الأحزاب السياسية الغربية والعمل من خلال المؤسسات الوطنية باعتبارهم "مواطنين"، وليسوا "أقلية" مستضعفة، وأعتقد أن هذا الخيار يظل هو المظلة التي تقيهم الاضطهاد السياسي والديني، وتحفظ لهم حقوقهم السياسية والمدنية.الاسلام اليوم -ما وراء جدل النقاب في مصر
محمود سلطان
كشفت الأزمة الأخيرة للنقاب في مصر، عن أزمة أكبر، تتعلق بوعي قطاع ليس بالقليل من "الدعاة" الذين يتصدرون المشهد الدعوي الإسلامي، بـ"الجغرافيا الإسلامية" الجديدة، إذا جاز التعبير.
فالإسلام لم يعد ـ اليوم ـ ظاهرة شرقية، بل ـ ولأول مرة ـ بات جزءاً من أوروبا، وموضوعاً لجدل كبير بشأن إمكانية قبوله "شريكاً حضارياً" ورافداً من روافد هويتها الثقافية.. المؤسسة ـ في محصلتها النهائية ـ لهويتها السياسية.
مشكلة الدعاة الحاليين.. هي عدم اكتراثهم لهذه الخريطة الجديدة للإسلام في العالم، أوعلى أقل تقدير لا يدركون أن "الأممية الإسلامية" التي غابت منذ سقوط دولة الخلافة عام 1923 ـ لم تعد اليوم ـ عند الحدود السياسية للعالم الإسلامي "القديم"، بل انتشرت على أطراف العالم "الحديث" كله، وتتأثر نخبه السياسية وجالياته الإسلامية بـ"الاضطرابات الفقهية" في الشرق سلباً وإيجاباً، بعد أن بات الإسلام مصدراً للقلق الثقافي الحقيقي، للعالم الذي ظلت المسيحية- وعلى مدى عدة قرون- المصدرالوحيد الذي يستقي منها هويته الحضارية.
وفي هذا السياق، فإن الإسلام ـ في نسخته الغربية ـ يمر باختبار حضاري بالغ الصعوبة، والاستسلام لحضوره الرمزي (الحجاب، النقاب، المآذن) لن يمر بسهولة، والغرب يبحث عن مسوّغات تسمح له بالتصدي لما يسمّونه "أسلمة أوروبا" بدون الدخول في أزمة أخلاقية، تتعلق بالحريات وحياد "الدولة العلمانية"، إزاء التعدد الثقافي والديني، والذي ما انفك الغرب، يعتبره أحد أهم إبداعاته، على صعيد الحداثة السياسية.
واللافت أن الدعاة العرب، أحياناً ـ وفي ظل غياب الوعي الذي أشرت إليه فيما تقدم ـ يقدمون هذا "المسوّغ" للغرب، في التصدي للوجود الإسلامي داخل حدوده السياسية، حين تصدر فتاوى أو آراء لظاهرة "محلية".. و تتماس ـ في الوقت ذاته ـ مع الملفات التي تؤرق أوروبا، وتبحث لها عن حل يغنيها عن تحمّل تكلفته الأخلاقية، مثل ملف التعبير الرمزي للإسلام، وعلى رأسه مسألتا الحجاب والنقاب.
ولعلنا تابعنا ردود الفعل، في عدد من الدول الغربية، على معالجة المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، لنقاب الطالبات في المدارس والجامعات؛ إذ لم تعد الأزمة "محلية ـ مصرية"، ولكنها باتت ـ بتداعياتها وجدلها ـ عابرة للحدود، وتلقّفتها عواصم غربية، لتتخذ منها مسوّغاً لتشديد القيود، على ارتداء الحجاب والنقاب معاً، وبلغت حد التقدم بمشاريع قوانين، تجيزاعتقال المنتقبات، استناداً إلى فتوى أكبر مؤسسة دينية في العالم للإسلام السني!
وهذه هي المشكلة الكبيرة، التي تحتاج حقاً إلى مراجعة حقيقية، تنقل الدعاة إلى مركز الوعي بحدود "جغرافيا الإسلام" في صيغته العالمية الجديدة، واستحقاقاته من حيث الدقة والحساسية، في ضبط الفتوى والإدراك بأنها لن تكون ـ على مستوى التأثير ـ عند الحدود السياسية للدولة التي صدرت فيها الفتوى، وإنما ربما تكون سيفاً على رقاب الملايين من المسلمين الذين ينتشرون في قارات العالم الخمس.
فالإسلام لم يعد ـ اليوم ـ ظاهرة شرقية، بل ـ ولأول مرة ـ بات جزءاً من أوروبا، وموضوعاً لجدل كبير بشأن إمكانية قبوله "شريكاً حضارياً" ورافداً من روافد هويتها الثقافية.. المؤسسة ـ في محصلتها النهائية ـ لهويتها السياسية.
مشكلة الدعاة الحاليين.. هي عدم اكتراثهم لهذه الخريطة الجديدة للإسلام في العالم، أوعلى أقل تقدير لا يدركون أن "الأممية الإسلامية" التي غابت منذ سقوط دولة الخلافة عام 1923 ـ لم تعد اليوم ـ عند الحدود السياسية للعالم الإسلامي "القديم"، بل انتشرت على أطراف العالم "الحديث" كله، وتتأثر نخبه السياسية وجالياته الإسلامية بـ"الاضطرابات الفقهية" في الشرق سلباً وإيجاباً، بعد أن بات الإسلام مصدراً للقلق الثقافي الحقيقي، للعالم الذي ظلت المسيحية- وعلى مدى عدة قرون- المصدرالوحيد الذي يستقي منها هويته الحضارية.
وفي هذا السياق، فإن الإسلام ـ في نسخته الغربية ـ يمر باختبار حضاري بالغ الصعوبة، والاستسلام لحضوره الرمزي (الحجاب، النقاب، المآذن) لن يمر بسهولة، والغرب يبحث عن مسوّغات تسمح له بالتصدي لما يسمّونه "أسلمة أوروبا" بدون الدخول في أزمة أخلاقية، تتعلق بالحريات وحياد "الدولة العلمانية"، إزاء التعدد الثقافي والديني، والذي ما انفك الغرب، يعتبره أحد أهم إبداعاته، على صعيد الحداثة السياسية.
واللافت أن الدعاة العرب، أحياناً ـ وفي ظل غياب الوعي الذي أشرت إليه فيما تقدم ـ يقدمون هذا "المسوّغ" للغرب، في التصدي للوجود الإسلامي داخل حدوده السياسية، حين تصدر فتاوى أو آراء لظاهرة "محلية".. و تتماس ـ في الوقت ذاته ـ مع الملفات التي تؤرق أوروبا، وتبحث لها عن حل يغنيها عن تحمّل تكلفته الأخلاقية، مثل ملف التعبير الرمزي للإسلام، وعلى رأسه مسألتا الحجاب والنقاب.
ولعلنا تابعنا ردود الفعل، في عدد من الدول الغربية، على معالجة المؤسسة الدينية الرسمية في مصر، لنقاب الطالبات في المدارس والجامعات؛ إذ لم تعد الأزمة "محلية ـ مصرية"، ولكنها باتت ـ بتداعياتها وجدلها ـ عابرة للحدود، وتلقّفتها عواصم غربية، لتتخذ منها مسوّغاً لتشديد القيود، على ارتداء الحجاب والنقاب معاً، وبلغت حد التقدم بمشاريع قوانين، تجيزاعتقال المنتقبات، استناداً إلى فتوى أكبر مؤسسة دينية في العالم للإسلام السني!
وهذه هي المشكلة الكبيرة، التي تحتاج حقاً إلى مراجعة حقيقية، تنقل الدعاة إلى مركز الوعي بحدود "جغرافيا الإسلام" في صيغته العالمية الجديدة، واستحقاقاته من حيث الدقة والحساسية، في ضبط الفتوى والإدراك بأنها لن تكون ـ على مستوى التأثير ـ عند الحدود السياسية للدولة التي صدرت فيها الفتوى، وإنما ربما تكون سيفاً على رقاب الملايين من المسلمين الذين ينتشرون في قارات العالم الخمس.
-------------------------------------------------------------------





