أفكار بقلم--- عصام كامل رئيس تحرير جريدة الاحرار المصرية

الاثنين، أكتوبر 12، 2009

رسمى‮ ‬غالى بقطر‮.. ‬مواطن من مصر


مازلت اذكر اول موضوع صحفى كلفت به من استاذى وحيد‮ ‬غازى فى نهاية الثمانينات من القرن الماضى وكان عن موجة الاسعار المشتعلة‮ ‬‭.. ‬لملمت اوراقى وقررت النزول الى الشارع‮ ‬غير انى سكرتيرة رئيس التحرير قذفت بورقة صغيرة من رئيس التحرير بين اوراقى كتب عليها‮ ‬‭" ‬اهم مصادر الموضوع‮ ‬‭.. ‬عم رسمى‮ ‬‭".‬لم اكن اعرفه‮ ‬‭.. ‬دخلت عليه‮ ‬‭.. ‬كان الرجل‮ ‬يجلس خلف كومة من الاوراق داخل الارشيف الذى انشأه منذ بداية صدور الاحرار وجلست منه مجلس التلميذ من الاستاذ وبدأ‮ ‬يملى على اسعر السكر والصابون والارز وسندوتشات الفول والطعمية فى المناطق الشعبية والراقية وكأنه دفتر اسعار محدد ودقيق‮ ‬‭.‬بعدها تحول الارشيف الى ملاذ استرشد فيه طريقى عن طريق عم رسمى العبقرى الامين‮..‬‭ ‬كان‮ ‬يبادلنى الحب الا انه لايتركنى وحدى فى الارشيف‮..

‬كان‮ ‬يعتبر الارشيف امانة‮..‬‭ ‬سلاح لجندى‮ ‬يعرف مهارات الحرص عليه‮..‬‭ ‬خزينة اسرار لايجب ان تترك لأى احد حتى لو كان‮ ‬يحبه‮..‬‭ ‬تطلب منه صورة لشخصية عربية او دولية او محلية‮..‬‭ ‬فى لحظة‮ ‬يقول لك اخرج الملف‮ ‬115‮ ‬ش فاذا ماطلبت منه ملف لموضوع بعينه فانه‮ ‬يقول لك اخرج الملف رقم‮ ‬345‮ ‬م وهكذا كل الملفات كانت تسكن فى دماغ‮ ‬عم رسمى‭.‬اذكر عندما كلف وحيد‮ ‬غازى بتحويل جريدة الميدان الى صحيفة سياسية واختارنى معه فى هذه التجربة وكانت قضية التيار الاسلامى فى السودان قد اخذت نصيبها من النشر الصحفى واحتجنا صورة للبشير فطلب منى وحيد‮ ‬غازى الاتصال بعم رسمى فى الاحرار وبالفعل اتصلت به فقال لى فى التليفون‮:‬‭ ‬عندما تأتى للاحرار لاتجعل احدا‮ ‬يراك وانت فى طريقك للارشيف فإذا مادخلت تصنع انك تقرأ فى ملف وساضع لك الصورة فى مظروف لابد وان تخفيه بين طيات ملابسك‮ ‬‭.‬توجهت الى مقر الاحرار وتسكننى شخصية السارق التى رسم معالمها الرحل العظيم عم رسمى‮ ‬‭.. ‬دخلت المبنى خفية ودلفت قدماى الى الارشيف وانا ارتعد خوفا من ان‮ ‬يرانى احد‮ ‬‭.. ‬
امسكت بملف صحفى ويداي‮ ‬ترتعشان اذ انى اقوم بدور اللص‮ ‬غير الشريف واشار لى عم رسمى بالوقوف‮.. ‬‭ ‬وقفت‮..‬‭ ‬القى بمظروف صغير محكم الاغلاق فى‮ ‬يدى‮..‬‭ ‬وضعته فى طيات ملابسى وخرجت مسرعا متصورا ان عملية السطو قد نجحت‮.‬ومن حدائق القبة حيث مقر الاحرار الى شارع عرابى فى المهندسين حيث‮ ‬يقع مقر الميدان‮ ‬‭.. ‬دخلت على رئيس التحرير وانا مرهق الملامح من جراء احساسى ان احدا ما كان‮ ‬يراقبنى‮ ‬‭.. ‬فتحنا المظروف‮ ‬‭.. ‬وجدنا صورة بالية عبارة عن قصاصة من صحيفة بها صورة البشير‮ ‬‭.. ‬ضحك وحيد‮ ‬غازى وهو‮ ‬يردد‮ ‬‭.. ‬هذا هو عم رسمى‮ ‬‭.‬ادركت الدرس جيدا فعم رسمى الذى عمل مع وحيد‮ ‬غازى لسنوات رفض خيانة الامانة وفى ذات الوقت اعطانا درسا فى الاخلاق فهو لم‮ ‬يرفض الطلب ولم‮ ‬يلبه‮ ‬‭.‬بعد إقالة وحيد‮ ‬غازى من الاحرار جاء الرحل محمد عامر رئيسا للتحرير وقرر بلا مقدمات التخلص من عم رسمى فكان قراره بأن‮ ‬يتخلص من الارشيف حتى لايصبح لعم رسمى وظيفة‮ ..‬‭ ‬قرر بجرأة متناهية بيع الارشيف‮..‬‭ ‬جاء تجار الورق والكتب القديمة لشراء ارشيف الاحرار وعرضوا سعرا بخسا وفجأة دخل عليهم عم رسمى عارضا السعر الاعلى وفعلا اشترى الارشيف وذهب به الى منزله‮..‬‭ ‬اشترى حياته التى زرعها فى الاحرار دون ان‮ ‬يقول انه مفصول من عمله ودون ان‮ ‬يتمنى خرباها كما نرى البعض الان فى جميع المواقع‮ ‬‭.‬اتصل عم رسمى بوحيد‮ ‬غازى رئيس التحرير المقال من منصبه وقال له انه اشترى الارشيف وانه‮ ‬يحافظ عليه فى منزله حتى‮ ‬يقضى الله امرا كان مقضيا‮ ‬‭.. ‬كان‮ ‬غازى سعيدا لأنه لم‮ ‬يحدث فى تاريخ اى صحيفة ان باعت ارشيفها‭.‬بعد فترة اقالوا محمد عامر وعاد وحيد‮ ‬غازى لرئاسة التحرير وكان اول اتصال اجراه من مكتبه‮ ‬‭.. ‬مع عم رسمى‮.. ‬عاد عم رسمى وعاد معه الارشيف وكانت المفاجأة ان عم رسمى كان طوال فترة فصله‮ ‬يشترى الصحف اليومية ويكمل الارشيف‮ ‬‭..‬رفض قرار الفصل وستمر فى عمله داخل منزله‮ ‬‭.‬منذ عام تقريبا كان رسمى بقطر‮ ‬غالى على موعد مع الرحيل الابدى‮ ..‬‭ ‬غادرنا عن عمر ناهز الـ‮ ‬87‮ ‬عاما‮..‬‭ ‬غاردنا وكانت آخر كلماته وصية بان نحافظ على تاريخنا‮..‬‭ ‬نحافظ على الإرشيف‮ ‬‭.. ‬رحم الله عم رسمى ومنحنا الصبر على رحيله‮.‬
------------------------------------------------------------------------------------------------------