الاثنين، سبتمبر 07، 2009

القرصنة على الإنترنت.. مخالب وآثار

كان القراصنة المدانون في بريطانيا في القرن الثامن عشر يشنقون عند شاطئ البحر في وقت انحسار المد، ويتركون حتى يعود المد ثلاث مرات لغسل جثثهم.
أما القراصنة الرقميون، فيواجهون إجراءات أقل قسوة ووحشية إلى حد ما في الوقت الراهن. غير أن مقترحات حكومة المملكة المتحدة التي جاءت في الأسبوع الماضي بمنع الوصول إلى الإنترنت عن الذين يتم الشك بأنهم يقومون بتنزيل المواد المحمية بحقوق الطبع، أحدثت زوبعة. ويمثل هذا التحرك تحولاً كبيراً في الموقف، حيث يبعث برسالة تفيد بوجود توجه عقابي أشد في الانتظار.
سبق للحكومة أن وضعت في شهر حزيران (يونيو) خطة أكثر تدرجاً يقوم بموجبها مزودو خدمات الإنترنت بالكتابة إلى أولئك المتهمين بتجاوز حقوق الطبع. وإذا لم تفلح هذه الإجراءات خلال عام، يتم منح سلطات إلى ''أوفكوم''، وهي جهة الرقابة على الاتصالات، لمنع وصول أولئك المتهمين إلى الإنترنت. وأما الآن، فيبدو أن الحكومة تريد أن تنتظر لكي ترى ما إذا كان الأسلوب ''الناعم الناعم'' ناجحاً، كما تريد أن يتم استخدام سلطة قطع الخدمة على الفور بعد ذلك.
التحول في هذه السياسة أمر يعني أكثر من 1.5 مليار مستخدم للإنترنت حول العالم الذين يحصلون على الموسيقى والأفلام على الشبكة بصورة متزايدة. وتظل مسألة قانونية مشاركة ملفات الموسيقى، أو الفيديو على الإنترنت مجالاً رمادياً غامضاً، حيث إن كثيراً من الناس يتعمدون، وكثيرين آخرين يخالفون القانون دون قصد من جانبهم. ويقدر عدد الذين يستخدمون مشاركة الملفات بصورة غير قانونية في المملكة المتحدة وحدها بأكثر من سبعة ملايين شخص.
غير أنه بعد عشر سنوات من ممارسة الضغوط بصورة مستمرة، يبدو أن صناعتي الموسيقى والأفلام كسبتا حليفاً قوياً ممثلاً في الحكومة. ويقود اللورد ماندسون، وزير النشاطات العملية في المملكة المتحدة، هذا الاندفاع نحو تنظيم مشاركة الملفات. وكانت شخصيات مرموقة في صناعة الموسيقى، مثل لوسيان جرينج، رئيس ''يونيفرسال ميوزيك انترناشونال''، مؤثرة في حشد الحكومة لكي تتخذ الإجراءات، حيث إنه أحد سفراء الحكومة المدعين. وهو كذلك ضمن مجموعة الصناعات الخلاقة في حزب المحافظين المعارض الذي تفيد استطلاعات الرأي بأنه سيفوز في الانتخابات العامة المقبلة.
هنالك شعور متزايد مفاده أن تنفيذيي صناعة الموسيقى، والأفلام بدأوا في اجتذاب اهتمام صانعي السياسة حول العالم. وينعكس هذا الشعور في التوقعات الخاصة بالاجتماع بين اللورد ماندلسون، وديفيد جيفن، عملاق وسائل الإعلام في هوليوود، والناقد المفوه لمشاركة الملفات على الإنترنت، الذي عقد خلال إجازة في جزيرة كورفو اليونانية من الشهر الحالي. ويقول مكتب اللورد ماندلسون إنهما لم يناقشا هذا الموضوع.
منح الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، المتزوج من المغنية كارلا بروني، دعماً شخصياً قوياً لقانون حقوق طبع فرنسي مقترح يمكن أن يتضمن مادة تقول ''ثلاث مخالفات ويتم حرمانك من خدمات الإنترنت''، وذلك بالنسبة إلى مخالفي هذا القانون.هنالك قانون مشابه لذلك تتم دراسته في نيوزلندا. كما أن تايوان، وكوريا الجنوبية، وإيطاليا، تفرض بالفعل عقوبات مشددة على مخالفي قوانين مشاركة الملفات. وأقرت السويد، في العام الحالي، قانوناً يسمح بقطع الخدمة عن الذين يستمرون في التنزيل المخالف للقانون. وتشير دراسات مبكرة إلى أن هذه الممارسة خفضت المخالفات بنسبة 40 في المائة في الشهر الأول الذي تلا تطبيق هذا القانون.
حقيقة أن صناعة الأفلام، بالإضافة إلى صناعة الموسيقى، تخسر لصالح القراصنة، يمكن أن تؤثر في السياسة الحكومية. وأصبح التهديد واضحاً هذا العام حين جرى تخريب إطلاق شركة فوكس تونتيث سينتشري لفيلم ''ولفراين'' من خلال توزيع نسخة غير قانونية على الإنترنت قبل شهر من وصول الفيلم إلى دور العرض السينمائي.يقول جريجور بريور، الشريك في شركة ريد سميث القانونية: ''كانت صناعة الأفلام تحشد ضغوطها بقوة، حيث إنها أكبر بكثير من صناعة الموسيقى، كما أن لديها أكثر مما لدى هذه الصناعة لكي تخسره، إضافة إلى أن من الأرخص بكثير إنتاج ألبوم موسيقي بالمقارنة مع إنتاج فيلم''.من الممكن كذلك أن تكون الواقعية الاقتصادية، بقدر ما كان من سحر لعمالقة الموسيقى، هو ما حرّك السياسيين لاتخاذ الإجراءات. ويقول إيان كونور، الشريك في شركة بنسينت ميسون القانونية: ''ربما يكون الأمر هو أننا في المملكة المتحدة أمة نعيش مرحلة ما بعد الصناعة، وإن الميزة الوحيدة لدينا هي الملكية الفكرية. وتشهد المملكة المتحدة موارد السيطرة القابلة للبرمجة، وهي تستنزف''.يوافق كليف فلويت، الشريك في شركة لويس سيلكين، على أن: ''قاعدة التصنيع في المملكة المتحدة قد فقدت. وانظر إلى المصادر التي نجني من ورائها الأرباح، حيث إن التصاميم تمثل تجارة كبيرة. وانظر إلى مؤسس مشاريع الموهبة سيمون كوويل، وإذا لم تكن لدينا حماية، فإنه لن يتبقى لدينا شيء''.تسهم الصناعات الخلاّقة بـ 112.5 مليار جنيه إسترليني (183 مليار دولار أمريكي، أو 127 مليار يورو)، كعوائد في اقتصاد المملكة المتحدة، أي ما يعادل 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما أنها توظف 1.9 مليون شخص. وتكلف القرصنة صناعة الأفلام 268 مليون جنيه استرليني سنوياً، وفقاً لأرقام شركة بروسبكت فور فيلم. وأما التكلفة التي تكبدتها صناعة الموسيقى سنوياً، نتيجة القرصنة في عام 2008، فبلغت 180 مليون جنيه إسترليني، حسب أرقام صناعة التسجيل الصوتي البريطانية. وأما على النطاق العالمي، فيقدر عدد الملفات التي تم تنزيلها بصورة غير قانونية في العام الماضي بـ 40 مليون ملف. ومقابل كل تسجيل على الشبكة في العام الماضي، تم تنزيل 20 بصورة قانونية، حسب أرقام الاتحاد الدولي لمنتجي التسجيلات الصوتية والفيديو، وهو جماعة الضغط الموسيقية الدولية.
ليس من الواضح ما إذا كانت الإرادة السياسية الجديدة يمكن أن تتحول إلى قوانين فعالة، على أية حال. وتنظر جماعات الضغط بالفعل في كيفية تحدي الإجراءات المقترحة في المملكة المتحدة. وهنالك حزب للقراصنة يدافع عن مشاركة الملفات، ويشكل ضغوطاً من أجل قوانين حقوق طبع أقل، وذلك في تسع دول، بما فيها السويد، حيث حصل على مقعد في البرلمان.
رفض المجلس الدستوري الفرنسي قانون ''ثلاث مخالفات ويتم حرمانك من الإنترنت'' في شهر حزيران (يونيو)، انطلاقاً من الحرص على حرية التعبير، وافتراض البراءة.ربما تعتبر المقترحات الخاصة بقطع خدمات الموجة العريضة غير قانونية وفقاً للقانون الأوروبي. ويتضمن تشريع الاتحاد الأوروبي الخاص بالاتصالات مادة تقول إن الحصول على خدمات الإنترنت حق أساسي من حقوق الإنسان. وبالتالي، فإن قرار قطع خدمة الإنترنت يمكن أن يكون قراراً لا يمكن لأي مزود لخدمة الإنترنت اتخاذه.
هنالك ارتباط حول ما يمكن للقانون أن يطلبه من مزودي خدمة الإنترنت كما يقول إنوسنزو جينا، عضو مجلس التجمع التجاري لمزودي خدمات الإنترنت الأوروبيين، ''يوروإسبا'' EuroIspa.
وتكون شركات الإنترنت، وفقاً للقانون الأوروبي مدانة لاستضافة محتوى غير قانوني، وليس للسماح لزبائنها بمشاهدته. ''إن مالكي الحقوق مرتبكون بين هاتين المسؤوليتين، حيث يحاولون أن يأخذوا شيئاً أكثر من مزودي خدمات الإنترنت مما تسمح به التشريعات الأوروبية''، كما يقول جينا.
يقول تشارلز دنستون، الرئيس التنفيذي لشركة كارفونويرهاوس، وهي واحدة من أكبر شركات تزويد خدمة الإنترنت في المملكة المتحدة: ''سوف نحارب جعلنا مرغمين على قطع الخدمة عن الزبائن بكل ما لدينا من قوة، وإن واجبنا الأساسي هو حماية حقوق مشتركينا''.
ترى صناعة الموسيقى أن هذه الحجج هي تهرب من المسؤولية. ويقول جون كينيدي، الرئيس التنفيذي للاتحاد الدولي لمنتجي التسجيلات الصوتية والفيديو الذي هو المنظمة الممثلة لصناعة التسجيل عالمياً: ''لا يتضمن أي قانون، في أي مكان، أن من حق أحد سرقة الموسيقى، أو الأفلام والكتب. وهنالك أزمة في الاقتصاد، وبالإضافة إلى احترام الحقوق، فإن علينا أن نفكر بالاقتصاد والوظائف''.الحقيقة هي أن مقترحات الاتصالات الخاصة ببروكسل ما زال ينتظر تبنيها، كما أنها يمكن أن تظل عرضة للتغيير. ويقول يونغ: ''إننا في حالة تغير متواصل حول ما ستتوصل إليه الأنظمة الوطنية، وكيف ستنسجم مع مقترحات بروكسل. وسيكون شهر أيلول (سبتمبر)، وتشرين الأول (أكتوبر)، حين يعود أعضاء البرلمان الأوروبية إلى العمل، فترة مهمة لكي نرى ما يتمخض عنه هذا الأمر''.
لدى هذه القضية صورة سياسية أهدأ في الولايات المتحدة، بما أن صناعة التسجيلات تركز على اكتساب تعاون طوعي من مزودي خدمات الإنترنت. وقد أوقفت رفع الدعاوى على مشاركي الملفات في شهر آب (أغسطس)، فيما قالت إنه ''يدخل في إطار حسن النية'' بهدف تعزيز المحادثات مع مزودي خدمات الإنترنت.طلبت الشركات صاحبة العلامات التجارية الرئيسة من شركات الموصلات الكبرى فرض رسم شهري إجباري على الزبائن من أجل الوصول إلى المكتبات الموسيقية الموافق عليها، وكذلك إصدار تحذيرات للقراصنة قبل قطع الخدمة عن المخالفين المتكررين. ولم يتم اكتمال أي من الخطتين، الأمر الذي أدى بالبعض في هذه الصناعة إلى أن يستنتجوا أنهما لن تدخلا حيز التنفيذ. إلا أن عدداً قليلاً من مزودي خدمات الإنترنت مثل ''فيرزون'' و''ايه تي اند تي''، وافق على توجيه التحذيرات.غير أن أي من مزودي خدمات الإنترنت لم يقطع الاتصال، ويقول الناطق باسم ''ايه تي اند تي'' ، فليتشر كوك: ''إن هذا ليس من الأمور التي ننفر من خلالها الزبائن''.ربما يساعد عدد من القضايا التي تنظر فيها المحاكم في إدخال بعض الوضوح إلى الموقف القانوني من القرصنة في أوروبا. ورفضت شركتا الإنترنت، ''بي تي أيرلندا'' و''يو بي سي''، في أيرلندا الانصياع إلى مطالب شركات الموسيقى بقطع الخدمة عن القراصنة المشكوك في تصرفاتهم. وتقولان إن القانون لا يتطلب منهما فعل ذلك، وإن الأمر الآن متروك للقضاة لاتخاذ القرارات حوله.تم تحويل الشكوى القانونية من جانب ''لورييل'' ضد موقع ''إيباي'' لأنه لم يفعل ما يكفي لإيقاف إظهار قوائم منتجات التجميل المزيفة، إلى محكمة العدل الأوروبية. وإن تحديد ما على موقع المزاد على الإنترنت هذا أن يفعله لمحاربة الظهور غير القانوني لهذه المنتجات ستكون له مضامين وآثار على مواقع مشاركة المعلومات، وعلى مزودي خدمات الإنترنت.التقدم الذي تحققه التقنية يعني أن القراصنة يمكنهم، على الدوام، إيجاد وسيلة لتجنب ضبطهم متلبسين بالمخالفات. وتسمح الشبكات الافتراضية الخاصة للناس بإخفاء هوياتهم، كما أن الاشتراك في مثل هذه المواقع يمكن أن تتدنى تكلفته حتى أربعة يورو شهرياً. وهنالك كذلك جيل جديد من ''الشبكات المعتمة، وهي شبكات كمبيوترات خاصة يتم استخدامها لمشاركة الملفات.يجادل البعض في أن ظهور مزيد من المواقع القانونية لتنزيل الأفلام والموسيقى سيخلص الناس في الأجل الطويل من القرصنة، بصورة أشد فعالية من القوانين المتشددة للغاية. ويقول فلويت: ''القرصنة علامة على وجود سوق لم تلب احتياجاتها، ولكن لديك الآن الكثير من المواقع القانونية لكي تختار من بينها، الأمر الذي يسحب الحجة الأخلاقية للقراصنة من تحت أقدامهم''.
الضجة السياسية العالية لهذه القضية يمكنها أن تساعد كذلك. ويقول تنفيذيو هذه الصناعة إنه أصبح من الواضح لدى الجمهور العام أن هذه الممارسات غير قانونية، غير أن تغيير السلوك ربما يستغرق وقتاً.
لقد انتهى العصر الذهبي للقرصنة البحرية في القرن الثامن عشر، وذلك بعد أن زاد الأسطول الملكي البريطاني من قوته، ولكن المعركة استغرقت عدة عقود من الزمن. وعلى الرغم من حلفائها السياسيين الأقوياء، فإن صناعة الإعلام قد تكون في مواجهة فترة زمنية طويلة مشابهة.- الاقتصادية-
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------