سليمان فياض: بعد ال 80 أقاوم المرض بالكتاب

الاثنين، أغسطس 10، 2009


سليمان فياض: بعد ال 80 أقاوم المرض بالكتابة

 
كتب السيد المتولى 
سليمان فياض روائي وقصصي في الثمانين من عمره لكنه يعمل بدأب كبير منذ نصف قرن تقريبا في تعميق تجربته الإبداعية وترسيخها، وفي التزود بثقافة واسعة منفتحة على العالم. “فياض” ناسج ماهر لقصصه ورواياته، يبث فيها من توهجه الإبداعي كي تمنحه ثمراتها الناضجة وربما لجهده الحقيقي ذي الحساسية الفائقة فازت معظم أعماله بجوائز أدبية مهمة مثل جائزة سلطان العويس 1994 وجائزة الدولة التقديرية في مصر عام ،2003 أصدر فياض خمس عشرة مجموعة قصصية منها: “عطشان يا صبايا، أحزان حزيران، وفاة عامل مطبعة”، وأربع روايات هي: “أصوات”، “القرين”، “لا أحد” وأخيرا “أيام مجاور”، التي صدرت منذ أيام، كما كتب للأطفال وله كتب في علوم اللغة...
قال ان كلمة “مجاور” تطلق على طالب العلم الذي يدرس بالأزهر حيث كان لا يوجد طلبات تقدم للتعليم وإنما كان الشيخ يرحب بالطلاب الذين كانوا يتحلقون حوله ويقيمون في المكان نفسه وعندما ينتهي المنهج الدراسي يحصل الطالب على إجازة من شيخه في العلم الذي نبغ فيه. وفي هذه الرواية كتبت عن تجربتي في معهد الزقازيق الأزهري الذي التحقت به عام 1942 لمدة سبع سنوات، وهناك أناس مثلي مروا بهذه التجربة ولم يكتبوا عنها فأردت أن أكتب عنها، كما كتب طه حسين رائعته “الأيام” وأتمنى أن تكون روايتي الحلقة الثانية في توثيق هذا العصر.
المجموعة القصصية كتبتها من وحي تجارب الحياة بالأزهر وكنت أتمنى أن أضمها إلى قلب الرواية الجديدة وكانت قصصا مفردة استحببت أن أغرسها في قلب الرواية الجديدة، أما الرواية فهي بمثابة سيرة روائية أو “سيرواية” كما يرى توفيق الحكيم.
الملاحظ أن هذه الرواية أول نص روائي طويل تكتبه مقارنة بأعمالك القصيرة السابقة.
كما قال أنا أميل إلى كتابة القصص القصيرة الطويلة مثل: الهجان، القرين أصوات، لا أحد، وفي النهاية القراءة والكتابة تخضع للمزاج العالي وليس للقواعد الصارمة، وهناك قصص كتبت في القرن السادس عشر لبلزاك وإميل زولا أكثر حداثة من إبداع هذه الأيام. ويوجد جزء ثانٍ للعمل أتناول فيه فترة المجاورة في مدينة المنصورة عروس النيل كما نقول أرصد فيها حياتي صباحا ومساء بمكتبة “المختلط” التي كانت تضم ثلاثين ألف كتاب في شتى فنون المعرفة وأتمنى أن يمتد بي العمل لأكتب الجزء الثالث أسجل فيه علاقة والدي بالتصوف وانضمامه إلى الطريقة التيجانية.

واوضح الفترة التي عشتها وأنا أكتب عما أعانيه وعرفته سواء كان الأمر متعلقا بالأزهر أو غيره ولا أحب أن أخترع شخصيات وأجلس على مكتب وأكتب.
الواقع يمتلئ بالثرثرة الكلامية واللغوية والمبدع صاحب العين اللاقطة يعرف كيف يختار الحدث والموقف واللحظة ووظيفة الكاتب أن يبحث عن إجابة للأسئلة الستة الصعبة وهي: ماذا حدث؟ وأين حدث؟ كيف

و قال أنا أؤمن بأن الفن نشاط اجتماعي والكاتب صاحب رسالة وأقاوم المرض بالكتابة .
الصدق الموضوعي تحققه واقعية القصة ويمكن أن يتحقق بطريقة أخرى وهي أن الواقع نفسه سواء كان حقيقيا أم افتراضيا يمكن أن يحدث وفي بداية تجربتي الإبداعية، كتبت قصة “على الحدود” وهي تجربة افتراضية صرفة عبارة عن أربعة أحلام جسدت معنى من المعاني وبعد ذلك أصبحت هذه الأحلام جزئية في القصص الواقعي يتدخل فيها الوعي ويثيرها بحكم تنامي الخبرة، وبالممارسة حولت الواقع اليومي إلى واقع فني ويجب على الكاتب ألا يتسرع في تسجيل تجربته ويجب أن يصبر عليها حتى تنضج ويتأملها عن بعد.
وقال تعد الفترة ما بين عامي 1956 و1973 هي فترة الانفجار الإبداعي عندي حيث كتبت فيها أعمالا بارزة مثل “القرين”، و”عطشان يا صبايا”، و”أحزان حزيران”، و”العيون”، و”زمن الصمت والضباب”، و”لا أحد”، و”الذئبة”؟.. وغيرها. وبعد عام 1973 أصبت بفتور بسبب الانهيار الاجتماعي الذي حدث حيث شعرت بضعف مصر وابتعاد الأشقاء العرب عنها وأصبح المبدعون يكتبون بلغة تكاد تكون ميتة والكاتب لا يستطيع تغيير المجتمع من دون وسيط حضاري ومع ذلك كتب بعض الأعمال الجيدة.

وفي عام 1978 كتبت موسوعة ضخمة عن سير العلماء في الحضارة العربية والإسلامية من خلال إطلاعي على تاريخ العلوم البحثية، واكتشفت أن لدينا علماء أفذاذاً لا يقلون عن علماء الغرب الذين حاولوا إيهامنا بأننا أقل منهم شأنا وذكاء لأننا أبناء المناطق الحارة، وأصدرت 78 كتابا ضمن سلسلة علماء العرب فكتبت عن الفارابي وابن سينا وابن الهيثم وابن النفيس، ومن المفارقات أنني اكتشفت أن العالم العربي تقي الدين الراصد اكتشف البخار قبل أوروبا ب170 عاما كما اكتشفت أن ابن الشاطر قد كشف قبل جاليليو بمائتي عام أن الشمس محور المجموعة الشمسية وليس الأرض كما اكتشفت أن الحضارة هي عطاء المدنية وليس عطاء السياسة.
وكد ان المثقف لا يستطيع أن يكون له دور لأننا نفتقد المظلة الفكرية الرائدة التي تنظم الحياة الثقافية، كما لا توجد لدينا منظمات مدنية وأهلية تدعم الثقافة مثلما يحدث في أمريكا، حيث هناك منظمات أهلية تتلقى التبرعات لتنفق على الثقافة، حيث يصل الكتاب الأمريكي بعد ساعات قليلة إلى إنجلترا واستراليا في حين أن الكتاب المصري يجد صعوبة في الوصول إلى الخليج اللهم إلا من خلال معارض الكتب، كما أن الازدهار الثقافي ليس مرتبطا بالدعم المادي أو بالديمقراطية ولكنه في الأساس إرادة.
وشدد من الصعب علي أن أقرر الآن بمن تأثرت ولكنني أستطيع إيراد أسماء عديدة أعجبت كثيرا بها مثل نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس وعادل كامل وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف السباعي وكانت قراءاتي لهؤلاء نتيجة دافع الإحساس بجمالية القصة كفن أحببته واستهواني وأعتقد أن التأثر بكاتب بعينه ليس واردا عندي، هناك بعض القصص أثرت في وهناك بعض الكتاب أحببتهم ولكنني أزعم أنني كنت ومنذ البداية، بعيدا عن التأثر بأحد.. ربما وقعت في بعض قصصي تحت تأثير مناخ قصصي معين ولكن هذا لا يعني أن كتاباتي متأثرة بتيار أو بقاص وربما كان هاجس التميز الذي لازمني هو ما أبعدني عن التأثر.

___________________________________________________________________